وصف أفريقيا : الحسن بن محمد الوزان الفاسي الملقب بـ ليون الأفريقي Léon l’Africain

جريدة الحياة
ابراهيم العريس


«وصف أفريقيا» لليون الأفريقي: رحالة مسلم في بلاط الفاتيكان
  كثر كانوا يعرفون ليون الأفريقي ويعرفون كتابه الأساس «وصف أفريقيا». وكثر ايضاً كانوا يعرفون الحسن الوزان حتى وإن لم يقرأوا أي صفحة من الصفحات التي كتبها خلال سنوات طويلة عاشها، كانت سنوات غريبة وسنوات غربة، وحياة مغامرات وتقلبات... وسنوات سفر وتجوال في بعض أنحاء العالم القديم. كثر كانوا يعرفون هذا وكثر يعرفون ذاك... لكنهم لم يكونوا كثراً أولئك الذين كانوا، خارج دوائر المختصين، يعرفون أن الاثنين واحد وان جيوفاني – ليون الأفريقي هو نفسه الحسن الوزان الأندلسي. كان الأمر يحتاج الى حلول الربع الاخير من القرن العشرين وصدور الرواية الأولى بالفرنسية لكاتب لبناني، كان عُرف في فرنسا وبعض أوروبا بكتاب تاريخي أصدره عن الحروب الصليبية كما رآها العرب. نتحدث هنا، طبعاً، عن أمين معلوف وعن روايته «ليون الأفريقي» التي، الى كونها حققت فتحاً جديداً في عالم الرواية التاريخية «الفرنسية»، «كشفت» لعامة القراء، ان ذلك الرحالة الجغرافي الذي زار أفريقيا ووصفها لحساب بابا روما أوائل القرن السادس عشر، لم يكن في حقيقة أمره، سوى كاتب مسلم الأصل، تشكل حكاية وصوله من مسقط رأسه الأندلسي الى إيطاليا، مغامرة حياتية، كان همّ أمين معلوف ان يرويها ضمن مشروع ذي رأسين: من ناحية خوض غمار الرواية التاريخية.
   ومن ناحية ثانية التعبير، فكرياً وأدبياً، عن جسور التقارب بين الإسلام والمسيحية عبر البحر الأبيض المتوسط.
  نعرف كثيراً عن النجاح الذي حققه أمين معلوف منذ «ليون الأفريقي»، لكننا نعرف كثيراً أيضاً عن الشهرة العالمية التي باتت لليون نفسه ولكتابه الأساسي «وصف أفريقيا»، وقد استعاد الكاتب، جزئياً بفضل الروائي اللبناني، هويته ومكانته في التراث العربي. وصارت حياته حكاية تروى، هو الذي ولد في الأندلس ابناً لعائلة مسلمة، في تاريخ لم يتوصل المؤرخون الى تحديده. فقط يعرفون انه كان في شرخ الصبا عام 1492 حين طُرد مع أهله من الأندلس اثر استعادة «الملكين الكاثوليكيين» لها. فلجأ الى المغرب حيث تلقى علومه في فاس قبل ان يدخل في خدمة السلطان كديبلوماسي مثقف. وبهذه الصفة بدأت بالنسبة الى الحسن الوزان حياة سفر وتجوال لم تتوقف ابداً... وهي حياة قادته أول الأمر الى القاهرة في العام 1517، لينطلق منها الى مجرى نهر النيل وصولاً الى أسوان ومنها الى مكة المكرمة حيث أدى فريضة الحج، كما انه ضمن إطار مهمتيه الديبلوماسية والفكرية، وصل الى مناطق وسط أفريقيا. ولكن في العام 1519، فيما كان مركب يعود به الى بلاده، هاجم المركب قراصنة من صقلية، تمكنوا من أسره محولينه إلى عبد يباع بسعر السوق. وهكذا بيع الى من قادوه الى بلاط البابا ليون العاشر. وسرعان ما تنبه الحبر الأعظم المثقف والفصيح، الى ذكاء الفتى الموريسكى وعلمه، فجعله تحت حمايته وضمه الى حاشيته. وفي المقابل اعتنق الحسن الكاثوليكية، عن قناعة كما قال البعض، وعن انتهازية - أو على الأقل عن ديبلوماسية -، كما قال آخرون، واتخذ لنفسه اسم عمادة هو نفسه اسم البابا الذي صار بمثابة راعيه الفكري فصار اسمه «جيوفاني – ليون».
   وكان من الطبيعي لوضعيته المميزة الجديدة في الفاتيكان، ان تتيح للذي صار يسمى اختصاراً، ليون، فرصة ارتياد المكتبة الباباوية التي كانت من أغنى المكتبات الأوروبية في ذلك الحين. كما انه سرعان ما تمكن من اتقان اللاتينية والايطالية، الى جانب العربية والاسبانية اللتين كان أصلاً يتقنهما. وبهذا تفرغ للعلم والكتابة، حيث نراه ينتج العديد من المؤلفات، على شكل كتب او دراسات قصيرة. ولسوف يكون «وصف أفريقيا» أبرز تلك المؤلفات وأشهرها.
   يتألف كتاب «وصف أفريقيا» في صياغته الأولى من تسعة أجزاء أو كتب. جعل الكاتب أولها عبارة عن مقدمة مسهبة حول علم الجغرافيا والترحال ومشاهدة بلدان الآخرين. أما الأجزاء السبعة التالية ففيها وصف يقدمه أحياناً شاهد عيان، هو المؤلف نفسه، وأحياناً عالم راجع ما كان معروفاً من كتابات ونصوص، كانت تتحدث في ذلك الحين عن شتى المناطق الأفريقية التي يقيناً ان اكثرها لم يكن معروفاً للأوروبيين، علماً أن هؤلاء كانوا المستهدفين بكتاب «وصف أفريقيا»، إذ نعرف ان العرب كانوا يعرفون اشياء كثيرة عن مناطق افريقية عديدة في ذلك الحين، حيث كان ابن بطوطة، وغيره من رحالة وتجار وفقهاء عرب قد وصلوا الى اجزاء كبيرة من القارة السمراء، وكتبوا عنها... غير ان الجديد حقاً في كتاب ليون الافريقي/ الحسن الوزان، انما كان اساساً ما ورد في الجزء التاسع، الذي يختم الموسوعة، مسهباً في الحديث عن نباتات افريقيا وحيواناتها، ولا سيما منها ما يتعلق بمناطق جنوب الصحراء. وربما كان اسهام ليون في هذا المجال اول إسهام علمي اطلع عليه الاوروبيون في ما يتعلق بالقارة التي كانوا يتهيأون في ذلك الحين لغزوها واستعمارها ونهب خيراتها، بما فيها تلك التي اسهب كتاب «وصف أفريقيا» في الحديث عنها وعن فوائدها.
   والى هذا الجديد العلمي، حفل «وصف أفريقيا» كذلك بجديد على صعيد آخر. فليون، الذي كتب معظم فصول أجزاء كتابه اعتماداً على ذاكرته، ولكن كذلك اعتماداً على الملاحظات التي كان دأب على تسجيلها خلال جولاته الافريقية، تحدث في شكل مسهب عن تلك المدينة الصحراوية التي بالكاد كان الأوروبيون يعرفون عنها شيئاً، حتى وإن كانوا قد سمعوا بها وتحولت لديهم الى ما يشبه الأسطورة: تومبوكتو. والحال ان وصف تومبوكتو، التي يسجاها ليون «تومبوت»، ويقول لنا انها تقع في تلك المنطقة التي يطلق عليها اسم «تيرا نيغرا» (الأرض السوداء)، هذا الوصف يشكل اول تقديم في اوروبا للمدينة الاسلامية العريقة الواقعة في مالي الحالية، حيث يفيدنا المؤلف انها تأسست في القرن الخامس عشر، وتعتبر منذ ذلك الحين الممر الإلزامي لكل القوافل التجارية العابرة بين شمال أفريقيا وجنوبها، كما بين غربها وشرقها. وهي، ودائماً وفق وصف ليون، صارت منذ القرنين الخامس عشر والسادس عشر جزءاً من مملكة سونغهاي القوية التي كانت تسيطر على مجمل مناطق الغرب الأفريقي الأوسط.
   غير ان تومبوكتو لم تكن فقط مدينة تجارة، بل كانت مدينة علم ومعرفة، يتوافد اليها المفكرون والفقهاء من شتى الديار الاسلامية وتباع فيها الكتب والمخطوطات في الحوانيت، بحيث صار في كل بيت فيها مكتبة تضم أعداداً كبيرة من الكتب في شتى المعارف والفنون. ويفيدنا المؤلف بأن مركز ذلك العلم كله انما كان جامعة سانكوري، التي كان كبار فقهاء الإسلام يُدرّسون فيها الشريعة والعلوم القرآنية والرياضيات والطب. كما كانت تُدرَّس فيها تواريخ المدينة نفسها، حيث يلاحظ ليون أن كثراً من علماء تومبوكتو كانوا في لحظة معينة من مسارهم الفكري يلتفتون الى المدينة كي يكتبوا تاريخاً لها، وهذا ما جعل تومبوكتو تعتبر، في ذلك الحين، من اكثر المدن تأريخاً.
   و الحقيقة ان ليون أسهب بدوره في كتابه، في الحديث عن هذه المدينة التي فتنته، وفتنه ثراؤها، والدليل انه كرس لها ذلك الجزء المهم من كتابه. ومع هذا يصعب على قارئ اليوم ان يدرك حصة الحقيقة وحصة الخيال من حديث الكاتب عن الثراء العميم الذي كانت تنعم به المدينة، والذي انعكس - في رأيه – على ثرائها الفكري. فهو، في وصفه لقصر الملك وثروته ونسائه، يبدو للقارئ وكأنه يتحدث عن قصور الف ليلة وليلة، او عن مدينة بغداد في عصرها الذهبي... وفي يقيننا ان هذا الوصف، المفرط كما يبدو، لثروات تومبوكتو، يكمن في خلفية ذلك النهم الذي أصاب كثراً من الأوروبيين وجعلهم يقتفون آثار ليون الى الواحة الصحراوية ليعبّروا لاحقاً عن خيبة أملهم المادية، حتى وإن أشبع علم المدينة ومكتباتها ظمأهم الروحي في المقابل. أما ليون نفسه فنعرف انه بعد احتلال الامبراطور شارلكان لروما، هرب الى تونس حيث يبدو انه عاش بقية حياته وكتب ما تبقى من مؤلفاته، وربما بالعربية هذه المرة، إذ استعاد اسمه الحسن الوزان.


عن موقع جريدة الحياة


جريدة الحياة







رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://chourapress.com/news3549.html
نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : 2
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
أضف تعليقك
    تعليقات الزوار

    أكتب الرقم الذي تراه امامك :