جماعة العدل والإحسان : بين ثالوث القانون والقضاء وسلطة الدولة


 سالم بيكاس ــ
  تقديم

 
جماعة العدل والإحسان جماعة دعوة تقترح على الناس مشروعا مجتمعيا ينطلق من منهاج تجديدي تربوي جهادي تتصل أصوله بمنهاج النبوة. ومنذ نشأتها والنظام المخزني يحاصرها، إلا أن وطأة هذا الحصار كانت تشتد تارة وتخف تارة أخرى.
 
بعد 24 ماي 2006 ومباشرة بعد تنظيم الجماعة للأبواب المفتوحة للتواصل مع الشعب بمختلف شرائحه، شنت الأجهزة الأمنية السرية والمعلنة بمختلف أشكالها وألوانها حربا شعواء على جماعة العدل والإحسان، وقامت باعتقال أعضائها ومحاصرة جمعياتها، والتضييق على أعضاء الجماعة في أنشطتهم التجارية ووظائفهم، وحرمانهم من الوثائق الإدارية وغيرها من الخروقات والانتهاكات التي لم نجد السند القانوني المبرر لمعظمها حتى الآن.
 
ينضاف إلى ذلك الحصار الإعلامي والتوصيف الذي ينافي أخلاقيات المهنة، فتارة يصفها بالمحظورة وتارة بغير القانونية أو غير المعترف بها.
 
و تنويرا لكل مهتم بالميدانين القانوني والحقوقي، ورفعا لكل لبس ساهم فيه الحصار المضروب على الجماعة منذ تأسيسها، سنجيب المهتمين عن مدى قانونية الجماعة من عدمه، وذلك من خلال ثلاث أسئلة :
 
ما هو التكييف القانوني لجماعة العدل والإحسان؟
 
كيف تعامل القضاء المغربي مع هذا التكييف ؟
 
وكيف حاولت الدولة أن تظهر الجماعة خارج دائرة القانون؟
 1
- التكييف القانوني للجماعة :
 
تأسست جماعة العدل والإحسان تحت اسم الجمعية الخيرية) واختارت شعارا لها العدل والإحسان). حيث وضع الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله ملف تأسيس الجمعية الخيرية التي عرفت بعد ذلك بشعارها: العدل والإحسان) بالمحكمة الابتدائية بالرباط طبقا لمقتضيات ظهير الحريات العامة الصادر بتاريخ 24/06/1983 تحت رقم 83/48، وتسلم إشهادا بذلك. كما أرسل نسخة من ذات الإشهاد للنيابة العامة، ووجه لعمالة الرباط نسخة من الإشعار بالتوصل بالإشهاد المذكور، وهي المسطرة المنصوص عليها في المغرب لتأسيس الجمعيات آنذاك.
 
و من تم فإن جماعة العدل والإحسان استنفذت جميع إجراءات التأسيس كما هو منصوص عليه في الفصل 5 من ظهير 15 نونبر 1958 المومأ إليه أعلاه، كما وقع تعديله وتتميمه بموجب ظهيري 10 أبريل 1973 و23 يوليوز 2002.
 ومما سبق يمكن أن نحدد التوصيف القانوني للجمعية عل أنها :

 1ـ1
- جمعية ذات صبغة سياسية :
  
و ذلك ما نص عليه الفصل الثاني من القانون الأساسي للجمعية على أنها: جمعية ذات صبغة سياسية، وتباشر علاوة على ذلك كل الأنشطة الثقافية والاجتماعية والتربوية التي لا تتنافى مع هدفها الرئيسي).
 
و بالتالي جمعية ذات صبغة سياسية، تهتم بتوعية المنخرطين خاصة وأفراد الشعب عامة، بحقوقهم السياسية.
1ـ2
- جمعية لها كيان مستقل :
 
يظهر ذلك من خلال الفقرة الأولى من الفصل الثاني من النظام الأساسي للجمعية وذلك بإعلانها صراحة استقلالها وعدم انتمائها لأي هيئة سياسية حزبا كانت أو منظمة أو جمعية، سواء كانت ظاهرة أو خفية داخل البلاد وخارجها، وترجع كل اتفاق ظاهري بينها وبين تلك الهيئات إلى محض الصدفة ما لم يصرح بخلافه.) بما في ذلك الاستقلال التنظيمي والمالي على السواء. هو ما كرسه الأستاذ عبد السلام رحمه الله في المنهاج النبوي من خلال اللاءات الثلاث (لا للعنف، لا للسرية، لا للتعامل مع الخارج).
 1ـ3
- جمعية خاضعة للقانون :
 
و ذلك من خلال التنصيص الصريح في ديباجة النظام الأساسي على أن الجمعية تأسست وفقا لظهير تأسيس الجمعيات بالمغرب -أي ظهير 15 نونبر، كما وقع تعديله وتتميمه بموجب ظهيري 10 أبريل 1973 و23 يوليوز 2002- أومن خلال الفصل الثاني الذي أكد على أن الجمعية منظمة وفقا لهذا الظهير وأنها مؤسسة بمقتضاه .
 ينضاف إلى ذلك أن الجمعية استنفذت جميع إجراءات التأسيس كما هو منصوص عليه في الفصل 5 من هذا الظهير. أما شعار العدل والإحسان الذي رفعته الجمعية، ليس اسما جديدا للجمعية.
 وبالتالي ليس في القانون ما يلزم الجمعية بتقديم إشعار أو الحصول على إذن جديد.
 
إذا كانت الوضعية القانونية للجمعية الخيرية أي جماعة العدل والإحسان على النحو الذي بيناه سابقا، فكيف تعامل القضاء المغربي في معالجة القضايا التي أثيرت أمامه بشأن عدم قانونية الجماعة؟
 2
- الجماعة من خلال العمل القضائي :
 
جاء في تصريح للأستاذ عمر أمكاسو أن محاكم المغرب بكل درجاتها من المحكمة الابتدائية حتى المجلس الأعلى وفي جل المدن المغربية قد أصدرت أزيد من ثلاثين حكما كلها تؤكد بالأدلة القانونية المعتبرة أن جماعة العدل والإحسان قانونية ولا غبار على قانونيتها)  .1 .
 
و كان أول قرار قضائي أقر صراحة بقانونية الجماعة، هو القرار عدد 1871 الصادر عن محكمة الاستئناف بالقنيطرة بتاريخ 24 أبريل 1990 والذي جاء في حيثياته: حيث إنه من الثابت من أوراق الملف أن الجمعية المذكورة قد قامت بإيداع نظامها الأساسي بكتابة الضبط بالمحكمة الابتدائية بالرباط بتاريخ 26/4/1983 حسب الوصل المسلم بنفس التاريخ وذلك طبقا للكيفية المنصوص عليها في الفصل الخامس من ظهير 15/11/1958 الأمر الذي يفيد بأن تلك الجمعية قد أنشئت بكيفية صحيحة وتمارس نشاطها في ظل من المشروعية الواضحة تزكيها المقتضيات القانونية المشار إليها، ويدعمها نظامها الأساسي الذي تم الإعلان عنه وإيداعه وفق مسطرة سليمة).
 
و هذا القرار الاستئنافي تم رفض الطعن بالنقض في مواجهته بمقتضى قرار شهير للمجلس الأعلى عدد 13032 بتاريخ 10/11/1994.
 
و بذلك كرس المجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا) بموجب هذا القرار شرعية الجماعة وقانونيتها.
 
و هو ما تبنته محكمة الاستئناف بأكادير في القرار الجنحي عدد 11484 الصادر بتاريخ 31/12/2003 والذي جاء في حيثياته: وحيث إنه من خلال مراجعة وثائق الملف ودراستها ثبت (…) الأمر الذي يفيد أن تلك الجمعية قد أنشئت بصفة صحيحة وتمارس نشاطها في ظل من المشروعية ويعزز ذلك تواصلها عن طريق ربط مراسلات رسمية مع جهات حكومية من بينها حسب الوثائق المدرجة بالملف مديرية الوثائق الملكية عبر رسالة موجهة من مدير الوثائق الملكية إلى مؤسس الجمعية عبد السلام ياسين وكذا رسالة موجهة من وزير الأوقاف إلى مؤسس الجمعية واصفا إياه بالمسؤول عن جمعية العدل والإحسان مؤرخة في 21/11/1988) .2.
 
لذلك فإن القيمة القانونية والعلمية لهذه الأحكام والقرارات، لا تكمن في كونها صرحت بقانونية العدل والإحسان، لأن القضاء لا يمكنه إنشاء مراكز قانونية من العدم خارج إطار القانون، وإنما صرحت بقانونية الإجراءات موضوع القضية، وتكييفها التكييف السليم، انضباطا للقانون، بحيث كانت العدل والإحسان قانونية قبل صدور القرارات، وذلك بقوة المساطر القانونية التي سلكتها عند تأسيسها.
 3
- جماعة العدل والإحسان والحظر القانوني!
 
بالرغم من قانونية الجماعة وفق ما أقره القانون والقضاء المغربي، إلا أن الدولة حاولت مرارا وتكرارا أن تظهر الجماعة مظهر التنظيم المحظور وغير المعترف به.
 رغم أن هذا الخطاب ليس له ما يبرره سواء على المستوى القانوني أو القضائي. فما الدافع بالدولة إلى هذا التوصيف بالرغم من خلو التشريع المغربي من أي إشارة إلى نظام الحظر القانوني كنظام زجري وبالرغم من أنه لا عقوبة ولا جريمة إلا بالنص انطلاقا من مبدإ شرعية العقاب؟
 
يعتبر لفظ “الحظر”، لفظ غير قانوني على الإطلاق ونعت مستورد من المشرق كان يصف به النظام المصري جماعة “الإخوان المسلمين” ولعله أمر تنبه له أخيرا المستشارون القانونيون للناطق الرسمي باسم الحكومة في عهد خالد الناصري مما جعله يستعمل لفظا آخر هو هيئة ليس لها كيان قانوني) وذلك حين قال الناصري في تصريح “قدس بريس” الإخبارية: الموضوع الذي جرى في فاس مؤخراً يتعلق بهيئة ليس لها كيان قانوني)  .3.
 
غير أن سلطة الدولة لم تقف عند هذا الحد، فصرح وزير الداخلية شكيب بن موسى عقب أحداث قمع الأبواب المفتوحة التي نظمتها جماعة العدل والإحسان، صرح في قولته الشهيرة: من خلال تكثيف أنشطتها تكون العدل والإحسان قد وضعت نفسها خارج دائرة القانون) مضيفا بأن جماعة العدل والإحسان جمعية غير معترف بها)، غير مكترث بالنص القانوني ولا الممارسة القضائية للمحاكم المغربية التي أقرت قانونية الجماعة.
 
و نفس القول كرره محمد مبديع عن الحركة الشعبية في حوار مع قناة الجزيرة: جماعة العدل والإحسان ليس لها أي وجود ليس لها أي كيان قانوني حسب القانون المغربي). وعلى هذا الخطاب صار الإعلام الرسمي وبعض النخب.
 
و من تجليات “الحظر القانوني” الذي تنهجه الدولة في حق جماعة العدل والإحسان نورد على سبيل المثال:
 
1. فض المجالس التربوية لأعضاء الجماعة: وخاصة مجالس النصيحة، بتهمة الاجتماعات العمومية غير المرخص لها، فبرأ القضاء المتابعين بهذه التهمة في عدة أحكام قضائية: قرار السلطة المحلية بمنع الاجتماعات العمومية المنعقدة في إطار أعلاه يجب أن يستند على أسباب واقعية وموضوعية تبرره تحت طائلة إلغائه)  .4.
 
2. تشميع البيوت: كمثال على ذلك، تشميع بيت الأستاذ العبادي الأمين العام للجماعة دون مبرر قانوني أو حكم قضائي بات في الموضوع.
 3
. استهداف الرأسمال الرمزي للجماعة: من خلال فبركة ملفات أخلاقية عارية من الدليل والحجج البينة والتي كان آخرها قضية الأستاذ مصطفى الريق عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية للجماعة.
  4
. مصادرة إنتاجات الجماعة: كتب، مجلات، أقراص…
 
بالإضافة إلى حرمان أعضاء الجماعة من الحق في تأسيس أو الانخراط في الجمعيات، وحرمانهم من الوثائق الإدارية كجوازات السفر وغيرها. ينضاف إلى ذلك ما تمارسه السلطة في حق المنتسبين للجماعة من اختطافات واعتقالات ومداهمات للبيوت بشكل سافر ومناف للنصوص القانونية. وفي خرق تام للقواعد الإجرائية والمواثيق الدولية كحالة المختطفين السبعة بفاس وقضية مصطفى الريق على سبيل المثال.
 
خاتمة :
 
إن جميع الشرائع والقوانين تضمن حق الوجود والفعل لكل القوى السياسية ما دامت تبتعد عن العنف والإكراه، والثابت أن جماعة العدل والإحسان تحمل تصورات ورؤى تروج لها بالفكر والعمل الشعبي والسياسي السلمي.
 
لماذا إذن كل هذه الوسائل السلطوية في تعاطي نظام الحكم مع حركة مجتمعية هذا منهجها؟ في الوقت الذي أصبح الجميع يجمع على أن العدل والإحسان أكبر وأقوى تنظيم إسلامي بالمغرب، وأنها صمام أمان للمغرب والمغاربة.
ــــ
1 ــ تصريح منشور بموقع الجماعة: www.aljamaa.net\

2 ــ للمزيد من الاطلاع تنظر الأحكام والقرارات التالية:- القرار رقم 11484 الصادر عن محكمة الاستئناف بأكادير بتاريخ 31 دجنبر 2003 في الملف رقم 3958/2003- الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية بوارززات بتاريخ 29 يوليوز2004 في الملف رقم 350/2003.- الحكم رقم 831 الصادر عن المحكمة الابتدائية باليوسفية بتاريخ 27 دجنبر 2006 في الملف رقم 656/2006.- الحكم رقم 3108 الصادر عن المحكمة الابتدائية ببرشيد بتاريخ 7 يونيو 2007 في الملف رقم 558/2007.\
3 ــ اسماعيل العلوي. مقال منشور بموقع هسبريس الاكتروني.\
 4 ــ الحكم عدد 135/2001 الصادر عن المحكمة الإدارية بأكادير بتاريخ 19 أبريل 2001 في الملف رقم 58/2000 غ.\
ـــ
في الصورة الأستاذ  عبد السلام  ياسين المرشد العام لجماعة  العدل و الإحسان و المؤسس لها ، و  الأستاذ محمد العلوي عضو مجلس إرشاد الجماعة ، رحمهما الله .





نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://chourapress.com/news3321.html
نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : 0
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
أضف تعليقك
    تعليقات الزوار

    أكتب الرقم الذي تراه امامك :