شروط التغيير .. سؤال إمكانية حصول ثورة في المغرب ــ ؟؟؟ ــ

 سعيد الوجاني ــ
  تساءل ويتساءل العديد من المثقفين الثوريين عن امكانية حصول ثورة بالمغرب ؟ او هل يمكن حصول ثورة بالمغرب ؟
بطبيعة الحال ، إذا عدنا الى التاريخ المغربي الحديث ، فإننا نجد ان كلمة ثورة كانت تحظى بقيمة مطلقة كمشروع اكيد منذ ستينات القرن الماضي . واشتغال السياسيين والمثقفين بهذا المصطلح المشروع كان بفضل الثورات التي الهمت الثوار بكل من روسيا والصين وإيران بالنسبة للإسلاميين .
وإذا كان لكل مشروع ثورة خطب وإيديولوجيا ومسألة تنظيمية ، فان مفهوم الثورة اخد ابعادا شتى . مثلا اعتبر الجناح المسلح ، والجناح السياسي في حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية احداث يولوز 1963 ، ثورة ، في حين اعتبر الماركسيون الذين جاؤوا على انقاض الحزب المذكور ، ان تلك الاحداث اضافة الى احداث 3 مارس 1973 ليست بثورة ، بل هي انقلاب فوقي لقيادة ارادت اختصار الطريق للاستيلاء على الحكم في غيبة الجماهير التي كانت كل المخططات تجري باسمها . لذا بالنسبة لليسار الجديد ان الثورة لكي تكون كذلك يجب ان تقوم بها الجماهير بكل تجليات طبقاتها الاجتماعية برئاسة الطبقة العاملة ، وبواسطة حزبها الثوري ، الحزب الشيوعي . فإذا لم تحصل الثورة طبقا لهذا المسار ، فالتغيير ، وان هدف تغيير الدولة ، فهو لا يعتبر ثورة ، وهنا فقد درجوا على نفي صفة الثورة على انقلاب جمال عبدالناصر ، وانقلاب حافظ الاسد ، وانقلاب القدافي ، وانقلاب النميري وهكذا . بل ان ما زاد الماركسيين قناعة بان تلك التغييرات لم تكن ثورة ، انها بمجرد نجاحها في قلب النظم السياسية الملكية ، دخلت مباشرة في صراعات سياسية وأيديولوجية مع التنظيمات التي كانت تقدم نفسها كممثل ومدافع عن الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء والشعب العامل .
ونطرح السؤال : هل عرف المغرب في تاريخه السياسي حصول ثورات بالمفهوم الدقيق للكلمة ؟ وهل ما حصل اليوم بمعظم البلاد العربية كان ثورة ام كان شيئا آخرا ؟
في العصر الحديث للثورات ، وبالضبط منذ استقلال ايكس ليبان ، لم يسبق للمغرب ان عرف ثورة اجتماعية طبقية او شعبية . لكن بالرجوع الى التاريخ الشبه بعيد ، فقد ثارت القبائل المغربية البربرية ، كما ثارت قبائل الرحامنة ضد العديد من السلاطين العلويين ، فالجيلالي الروغي المكنى ب ( بوحمارة ) بتازة ، قام بثورة ضد السلطان بفاس ، ولم يكن ما قام به مجرد تمرد او عصيان . ولا ننسى هنا ثورة الريفيين ضد الرباط في نهاية خمسينات القرن الماضي والتي تم قمعها بكل قسوة غير منتظرة .
وإذا لم يكن المغرب في تاريخه الحديث قد عرف ثورات ، فانه بالمقابل شهد انتفاضات كان مآل كلها الفشل ، بسبب فقدان وغياب الاطار التنظيمي الثوري . فكانت انتفاضة 1965 و انتفاضة 1981 وانتفاضة 1984 وانتفاضة 1990 وكان آخرها حركة 20 فبراير 2011 ، هذا دون نسيان انتفاضات محلية بالعديد من المناطق مثل صفرو ، وسيدي افني ، والحسيمة .. لخ .
امّا ما جرى بالبلاد العربية باسم ( الربيع العربي ) فلم يكن بثورة ، بل كان مجرد انتفاضة نجحت في ابعاد شخص الرئيس دون القضاء على النظام الذي انتج الرئيس . إذن الآن يمكن ان نطرح السؤال عن : ما الثورة ؟
بالرجوع الى التاريخ خاصة في القرن العشرين ، سنجد ان جميع الثورات التي حصلت لم تأت فجأة مثل الهبّة او الانتفاضة ، مما كان يسهل على الحكم قمعها وإنهاءها ، لكنها كانت تأتي بحصول ازمة ثورية . فمن خلال كل المعارك الطبقية الحاصلة بالمجتمع ، كانت تحتدم التناقضات الطبقية بشكل مهول ، ومع بروز وتجدر الوعي السياسي الطبقي ، ووصول الصراع الطبقي الى درجته القسوى ، فان الازمات الثورية تظهر حتما .
إذن لا يمكن تصور حدوث ثورة شعبية بدون حدوث ازمة بنيوية . ودلالاتها كما هو ملاحظ اليوم بالمغرب :
1 ) افلاس النظام القائم ، لأنه استنفد ادواره التي لم تعد تجدي شيئا ، ووجوده من عدمه لم يعد يحظى باهتمام الشعب ، رغم خرجات الملك الدنكشوطية المُسمات " تدشينات ملكية " ، حيث بفعل اجترارها اليومي ، مل الناس منها ، لأنها لا تعكس ما ينطق به الواقع اليومي الذي يصنف الحكم في جهة ، والشعب في اخرى . ولا ادل على ذلك ، هو دور وزارة الداخلية في اجبار المواطنين بواسطة المقدمين والشيوخ ، والقياد للذهاب قسرا لتحية الملك بمناسبة ( التدشينات ) التي كثير منها لا يستحق ان يرق حتى الى تدشين من مستوى رئيس جماعة قروية او بلدية . ان عجز الطبقات السائدة ومنها الحكم عن الاحتفاظ بالسلطة يكون مؤشرا دالا على حدوث الازمة الثورية المؤدية الى الثورة .
2 ) التدهور الخطير للأوضاع الاجتماعية والمعيشية للطبقات المسحوقة بالرفع من الاسعار ، وجمود الاجور ، وتدني الدخل ، والبطالة التي طالت خريجي المدارس العليا والجامعات
3 ) انتشار الوعي السياسي الجدري بين الطبقات المسحوقة والمضطهدة التي ليس لها ما تفقده غير اغلالها وإزالة الخوف عنها ، اي تعاظم حركة الجماهير ، ورفضها الاستمرار تحت سلطة الطبقة الحاكمة المخزنية المتخصصة فقط في الفساد والإفساد .
لكن رغم كل ذلك فان انفجار الثورة لا يحصل إلاّ إذا اضيف الى العوامل الثلاثة السابقة العامل الذاتي ، اي الطبقات الثورية الموحدة والقوية في ظل كتلة تاريخية جماهيرية يقودها حزب ثوري صلب ينجح في لف جماهير الشعب العريضة حوله . ان نضوج الوعي الثوري يتطلب نضوج اداة الثورة ، وبدون نضوج هذه الاداة تستحيل الثورة . هنا نفهم لماذا كل شيء فشل بالمغرب ، ونفهم في آن لماذا منذ 20 غشت 1970 والى الآن 2015 لم تنضج تلك الاداة التي تعتبر السبب الوحيد في مآسي الفشل الذي حصدته الحركة الثورية المغربية عبر تاريخ صراعها مع المخزن الفيودالي والقروسطوي . فمنذ 20 غشت 1970 و 23 مارس 1970 ، والجميع يتكلم عن التنظيم الثوري ، الحزب الشيوعي ، والى الآن وبعد 45 سنة لا يزال الجميع يبحث عن كيفية انشاء التنظيم الذي لن يكتب له الوجود في ظل استمرار الصراعات الهامشية وعبادة الشخصية .
إذن ، إن الازمة الثورية هي قبل كل شيء ، حركة شعبية عميقة وقوية ، لأنها تهز المجتمع من تحته الى رأسه ، من علاقاته الانتاجية الى افكاره ومؤسساته التنفيذية والتشريعية والقضائية . انها تحدد نهاية حقبة وبداية اخرى ، وعندما تصبح العودة الى توازن ما قبل الازمة مستحيلة ، فبهزيمة الثورة يحل توازن اشد ميلا لصالح الثورة المضادة ، والعكس صحيح . فعندما ينسد طريق الازمة الثورية الظرفي ، فانه يفسح المجال اتوماتيكيا للجديد كي يشق طريقه عبر القديم . وهنا عوض الاطناب في الاستعراض الفلسفي للمصطلحات السياسية التي يجهلها العامة ، على التنظيمات الثورية ان تستلهم خطاب الاسلاميين البسيط الذي جلب لهم المئات من المنتسبين الجدد ، فعلى الاحزب الثورية اللجوء الى الشعارات البسيطة من قبيل السلام ، الارض ، الخبز ، السكن ، الشغل ، الحقوق المادية والمعنوية ، والارتباط بالقضايا القومية التي تستأثر بمشاعر المغاربة من قبيل القضية الفلسطينية ، سبتة ومليلية والجزر الجعفرية ، النزاع حول وعن الصحراء المغربية .. لخ .
في حصول الازمة الثورية يلعب الفكر والوعي السياسي دورا حاسما ، وينمو دورهما باضطراد ، كما ان اسلوب التعامل يكون بالحسم ، فيلتحم الاستراتيجي بالتكتيكي ، ويترادفان وتتم رؤية القريب من خلال المنظور البعيد .
في الازمة الثورية يتحدد نشاط الاحزب الثورية باعتباره عاملا ذاتيا ، فيغدو واقعا موضوعيا ، ويعدل مجرى الاحداث السياسية . ومن الناحية الاستراتيجية ، فان الاحزب تستعد لمواجهة الازمة الثورية . اما من الناحية التكتيكية ، فان الاحزب الثورية تعنى بكل لحظة ، بكل تفاعل ، بالنجاح والفشل ، بوثبات وانتكاسات الحركة الظاهرة او الواقعة ، وبالانتصارات الوطنية ، او الاقليمية ، او المحلية ، بالهزائم وسواها . وتتجه الشعارات على اساس الوضع الراهن ، الى انضاج الازمة . وتقدم حلولا ثورية في جميع المجالات ، الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية ، وسواها . بيد ان الشعارات وحدها لا تكفي ، وتنظيم النضال في جميع الاتجاهات وفي جميع المجالات ، هو وحده الذي يحسم الامر .
وإذا كان للازمة الثورية ثمة دياليكتيكا ، فان الاحزب الثورية تندمج اوتوماتيكيا في هذا الدياليكتيك ، باعتباره عنصرا جوهريا . فكلما ازداد الوضع تفاقما كلما ازدادت الاحداث ، وحركتها ، ارتباطا بالاحزب الثورية . ففي هذا ، وعبره ، يصبح الوعي والمعرفة والفكرة افعالا ، وثمرة عملية . وعلى تحليل الوضع يتوقف تحديد الحلقة الرئيسية من السلسلة التي ينبغي شدها ، كيما نسحب مجموع الحلقات ، وذلك في عقد الاحداث والأشكال .
في الازمة الثورية كذلك ، تكمن اللحظة الثورية ( التصرف في الزمان والمكان ) ، تلك التي يتحتم على الاحزب الثورية ان تعيها وتتحرك بسرعة ، بلا تأخير او تقديم لاستغلالها والاستفادة منها . وبالرغم من اللحظة الثورية هي ازمة ثورية ، فان الازمة الثورية ليست بالضرورة ، لحظة ثورية ، إذ يفتقر ظرف الازمة ، احيانا ، الى العامل الذاتي المؤهل ، الى الحزب الثوري والطبقة الثورية والجماهير المهيأة للثورة . كما ان في ظرف الازمة الثورية يستطيع المخزن الفودالي الاقطاعي والطاغي ان يجد دائما ، بدائل للمحافظة على الوضع القائم ، ولتفادي التغيير ، او يتظاهر هو بتغيير جلده ، بغية الاحتفاظ بالسلطة ، وتفويت الفرصة على قوى التغيير الثورية . وهذا ما حصل بالضبط بعد انفجار حركة 20 فبراير 2011 ، والتقدم بمقلب ( مشروع ) تعديل الدستور الذي فتت النصوص والفصول دون الغاءها . والخطأ انه حين استكان الجميع لهذا المقلب ، مع العلم ان الخطة الثورية لا تقبل بديلا عن الحسم الثوري ، بانتصار احد المتصارعين انتصارا ساحقا ، وهزيمة المعسكر الآخر هزيمة ماحقة . وهذا ما لم يحصل في 20 فبراير، ولم يحصل في ما سمي ب ( الربيع العربي ) . ان على احزب الطبقة الثورية ان تستجيب بسرعة فائقة للحظة الثورية حين يكون العدو في اسوأ حالاته ، ضعيفا . مُفكّكا ، وحين يكون نشاط القوى التقدمية الثورية في اوجهه .
وهنا ينبغي على المناضل الثوري ان يفيد من ابسط مظاهر الاحتجاج ضد النظام المخزني ، ويجدلها جميعا في حزمة العمل ضد النظام المخزني ، وبالرغم من الحاجة الماسة الى الدعاة ، فان انشاء الصحف الالكترونية والورقية للحزب والاحزاب الثورية والجماهير الثورية ، تبقى الاداة الافضل في الدعاية الثورية ، من اجل فضح جرائم النظام المخزني وفساده وتواطئه مع الصهيونية والامبريالية في ضرب الشعوب المسالمة كاليمنْ . ان الدعاية الثورية وبالأساليب البسيطة تعد تمهيدا لتدميره ، بعد فض الحلفاء من حوله ، وتبصير من ضللهم بالكلام المعسول . عندما تقفز الثورة الى رأس سلم الاولويات في جدول اعمال الاحزب الثورية .
ان الثورة هي اعلى اشكال الصراع الطبقي ، وهي باختصار اطاحة طبقة بحكم طبقة اخرى ، وهي ايضا ليست مؤامرة ، او انقلابا تقوم به حفنة من الثوريين او البلانكيين النشيطين ، تُبقي القديم على حاله ، ولكنها عمل كفاحي ، ونضال جماهيري ، تتقدّمُه وتقوده القوى الثورية ، وليس فقط طبقة ثورية بتنظيمها السياسي الثوري . ان هذه الثورة ، هي اولا نتاج منطقي لاستفحال التناقضات الطبقية بالوطن ، وثانيا نتيجة الازمة العامة على الشعب ، وهي ثالثا بسبب انفجار السخط الشعبي ، تعني استعداد الجماهير للقيام بأعمال تستهدف الاطاحة بالمُستغِلين، وإقامة سلطة الفقراء والطبقات الثورية على انقاضها .
ان كل التغييرات التي تقع في المجتمع ، اي مجتمع ، تعود في الاساس ، الى تطور التناقضات فيه ، وهي التناقضات بين قوى الانتاج وعلاقات الانتاج ، والتناقض بين الطبقات ، والتناقض بين القديم والجديد . ان تطور هذه التناقضات هو الذي يدفع المجتمع الى الامام ، ويصبح حافزا للقضاء على المجتمع القديم ، ليحل المجتمع الجديد محله . وهكذا ، حين تنتصر الثورة ، فإنها تحسم التناقض بين قوى الانتاج الجديدة ، وعلاقة الانتاج القديمة . انها هدْمٌ بالعنف لبناء فوقي سياسي قديم ولى عهده ، وادى تناقضه مع علاقات الانتاج الجديدة ، في لحظة معينة الى افلاسه ، اي ان الثورة تغيير عنيف ، واسع شامل ، وجذري للبنى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الراكدة والقديمة .
إذن ، من هنا لابد للثورة من احزاب ثورية ضمن كتلة تاريخية جماهيرية مسلحة بالنظرية الثورية ، إذ لا يتم انجاز الثورة تلقائيا ، عفويا بدون تنظيمات ثورية ، وبدون ثوار وشعب ثوري ، وهذا ما يفرق بين الثورة التي تعني التغيير الشامل ، وبين الانتفاضة التي لا تصل الى التغيير الجذري .
هل هناك طريق واحد للثورة : ان الجواب يتوقف على الظروف الموضوعية ، والذاتية ، والبلد الذي ستحصل فيه الثورة . لهذا فهي تختلف من بلد الى آخر ، ومن تجمع الى آخر كذلك . مثلا يمكن حصول ازمة سياسية تكون مصحوبة باجتماعات ومظاهرات ومسيرات ، تتلوها اضرابات تكون مصحوبة باعتصامات بالساحات العمومية ، انفصال اقليم من الاقاليم عن الدولة الام ، بعد سنوات طوال من النضال من اجل الوحدة الوطنية ، حرب عصابات مستقلة وطنية كما حصل بكوبا و فيتنام ... لخ ، هذا وتُحدّد هذه التغييرات الثورية حسب طبيعة التحالفات الطبقية ، وهوية القوة الاجتماعية التي تلعب ، فعليا دور الطليعة ، وتحدد الدور المهيمن للجيش ، او الحزب او احزاب الكتلة الثورية في قيادة الدولة .
ان اي ثورة حصلت في التاريخ ، إلاّ وتكون قد وضعت نصب اعينها هدفا استراتيجيا ، هو السيطرة على الحكم . وغني عن القول هنا ان امتلاك السلطة لا يكون لذاته ، بل من اجل تنفيذ برنامج الاحزاب الثورية المكونة للكتلة التاريخية الجماهيرية . لذا فان انتصار الثورة ، يكون دائما مرهونا بمستوى حركة الشعب التنظيمي والكفاحي ، وبموقف الطبقات الاخرى من الطبقات الثورية ، وبالموقف السياسي في الداخل والخارج .
وعند دراسة مسألة الاستيلاء على السلطة ، فان على الاحزاب الثورية ان تحتل مواقع القوة ، كقائدة مبدعة قادرة وحدها على قيادة الجماهير . اما الاحتفاظ بالسلطة ، فإنه يتطلب عملا ايديولوجيا ودعائيا وتنظيميا نشطا ودءوبا ، من اجل جعل الجماهير الشعبية واعية تماما بالأهمية التاريخية للثورة ، ومنجزاتها ، والمكاسب التي تحققها للطبقات الكادحة والفقيرة .
وبقدر ما تقترب طبقة ، او طبقات مضطهدة من امتلاك السلطة ، بقدر ما تزداد عقبات استلام السلطة امام طلائع هذه الطبقة . ان حشد الجماهير الشعبية في كتلة متحدة سيعقبه ، في الجانب الاخر ، تجمع القوى الرجعية ، الاسرع غالبا والأفضل تسليحا ، خاصة وأنها تمتلك آلية الدولة ، من جيش ، وبوليس ، ودرك ، ومخابرات ، ومليشيات احزاب عميلة . وهذا التجمع حتمي ، فليس من المنطقي تصور الفعل دون رد الفعل . ان الانتصار لا ينتج إلاّ عن عمل سياسي مُتراكم ، في شكل خبرة الاحزاب الثورية ونمو منظماتها ، واتساع دائرة جماهيريتها .
لكن ونحن نتحدث عن الثورة نتساءل عن كيفية حصلوها ، اي هل ستحصل بالسلمية ام انها ستحصل بالعنف ؟ . ان الجواب يتوقف على رد فعل النظام المخزني من الثورة . ونظرا للتغيير الذي حدث بالعالم ، والذي يركز على حقوق الانسان ، وحق الشعوب في تقرير مصيرها ، قد يكون للثورة في بدايتها الاولى طابعا سلميا من خلال الاعلان عن الاضراب العام ، ثم الاضرابات العام المتصاعدة ، مع تنظيم المسيرات والوقفات الاحتجاجية ، وصولا الى العصيان المدني بالاحتلال الساحات العمومية ، الى الوصول الى احتلال المدن فالجهات . ان العالم المتحضر سيدعم هذا النوع من رد الفعل الشعبي الذي يطمح الى الوصول الى الديمقراطية الكونية لا الخصوصية . لكن قد يحصل ان يكون رد فعل المخزن دمويا ، وهنا فالجواب ، لا ثورة بدون عنف لمواجهة عنف المخزن . فالقاعدة العامة ، ومن وجهة النظر التطبيقية ، تتضمن الثورة استخدام القوة ، وهنا تعمل الاحزاب الثورية على تحصين الطبقات الثورية بهذه الروح ، لأنه من الطبيعي ألاّ تتخلى البرجوازية عن سلطتها طواعية ، وحتى بعد ان تُمْنى بالهزيمة ، فإن تآمرها على السلطة الوليدة لن يتوقف ، حيث يتسم تآمرها هذا بالدموية والشراسة .
وخلال مواصلة النضال الثوري اليومي ، فان العنصر السياسي لا ينعزل قط ، عن العنصر الاقتصادي والاجتماعي . وفي الفترات الهادئة نسبيا ، يسيطر الاقتصادي على الاجتماعي والسياسي . انه يُحدّدهما . ثم تأت فترة ازمة قد تكون طويلة ، كما قد تكون قصيرة . وعندئذ يحدث العكس . فالعمل السياسي الذي حددته الازمة على انه هزة او ازمة في الاساس ، يُحدد بدوره ، العامل الاقتصادي ويصبح اساسيا ، آنئذ في الشكل الاقتصادي والاجتماعي ، إذ يندمج في تاريخه ، سواء حُلت الازمة حلا ثوريا ، او حدثت نكسة .
وعندما يلح قرار تفجير الثورة التي ستبدأ في شكل هبّة ، او انتفاضة شعبية عارمة ، فإن على قيادات الاحزاب الثورية المكونة للكتلة التاريخية الجماهيرية ان تبادر باتخاذ القرار الصائب ، دون تبكير او تأخير . وتبقى بعد ذلك خطة الانتفاضة الشعبية الجماهيرية ، الخطة التي تتعامل مع الانتفاضة الشعبية باعتبارها فنا ، ككل الفنون له قوانينه وأصوله . فكلما اتسمت خطوات الاحزاب الثورية بالثقة والشجاعة ، كلما امكن شل ذبذبة القوى الوسيطة الاصلاحية لصالح الثورة ، وكلما ازدادت الطبقات النظام المخزني ارتباكا وفزعا .
ولا تتوفر الثقة بالنفس وبالشجاعة للأحزاب الثورية المكونة للكتلة التاريخية الثورية الجماهيرية ، بدون اتسامها بالتجانس الفكري ، والصلابة ، وبدون ميل ميزان القوى لصالح الثورة الشعبية الجماهيرية ’ وامتلاك الكتلة لقيادة ثورية جريئة . ان بداية اشعال الانتفاضة تتطلب قيادة ثورية مخلصة ، شجاعة ، سليمة و مرنة للجماهير ، وخطة محكمة ، ويقظة ، واندفاعا ثوريا .
وبعد اتخاذ القرار بتفجير الانتفاضة ، يبقى على الاحزاب الثورية ان تقاتل بالجماهير ، معها كمناضلين وكقيادة ، فلا يجب ابدا اللعب بالانتفاضة ، قبل ان يكون الجميع على اتم الاستعداد لمواجهة عواقبها ، لأنها معادلة ارقامها غير محدودة اطلاقا ، وقد تتغير كل يوم ، بل قد تتغير كل ساعة ودقيقة . لذا فمتى بدأت الانتفاضة الشعبية الجماهيرية ، فيجب العمل بأشد الحزم ، وبالمبادرة الى الهجوم ، لأن الاكتفاء فقط بالدفاع ، هو موت محقق لكل ثورة شعبية جماهيرية ، لذا يجب مباغتة العدو حين تكون قوته مشتتة ، مبعثرة من اجل الانتصار للثورة ، على ان تكون تلك الانتصارات يومية ، مع الحفاظ على التفوق المعنوي الذي سيكسب الثوار والشعب حتمية نجاح الثورة .
وقبل الختام نشير الى ان الاكتفاء فقط بالأزمة الاقتصادية لن يكون كافيا لوحده بتفجير الثورة ، فالأمر يحتاج ، الى وضع ثوري ، كذاك الذي سبق انتفاضة 23 مارس 1965 و يونيو 1981 و يناير 1984 و 1990 وأخيرا 20 فبراير 2011 . ان الثورة لا تقع بالصدفة ، ولا تصنع حسب الطلب ، كما لا يمكن انجازها بواسطة حفنة من مناضلي الاستعراض البرجوازيين المعزولين عن الجماهير امثال الحزب الاشتراكي الموحد وحزب الطليعة ، بل تقع الثورة بالأحزاب الثورية التي ستكوّنها الجماهير من داخل الحراك الشعبي لقيادة الثورة الى مرماها الصحيح . لذا فالثورة لا تُصدّرُ ، بل تنضج داخليا ، وشروطها اليوم متوفرة في الساحة ، وألمْ يصل ثمن الغزْوالْ الى 10 دراهم في سابقة خطيرة ؟
وإذا كانت الثورة لا تُنجز تلقائيا ، فهي تُنجز بانتفاضة ثورية تخطط لها الاحزاب الثورية الداخلة في الكتلة ، وتقودها ، وتنفذها الجماهير الشعبية . ويبقى ان الانتفاضة فن لا بد من استيعاب قوانينه . وما دام لم يستوعب هذا القانون ، فإننا يمكن نفهم لماذا فشلت جميع المبادرات التي كانت تهدف تغيير النظام المخزني بنظام ديمقراطي ، ولم تستطيع في جميع الاحوال تخطي ارهاصات بداية تمخضها كجنين سقط قبل ان يصل التسعة اشهر لحمله ، اي سقطت قبل الوقت .
هل يمكن اعتبار حركة 20 فبراير حركة ثورية فيما لو نجحت في تحويل النظام المخزني الى نظام الملكية البرلمانية على الطريقة الاوربية ؟
ان مطالب حركة 20 فبراير لم تكن مطالب انقلابية او متطرفة ، بل كانت في جوهرها مطالب اصلاحية ، تمس جوهر النظام ، لا جوهر الدولة . لذا لو كانت الحركة قد نجحت في تغيير شكل الملكية ، من ملكية مطلقة ، الى ملكية ديمقراطية ، لكان تفسير هذا النجاح بالثورة الدستورية التي اسست لدستور الشعب ، لا دستور المخزن . لكن لو تم تغيير شكل الدولة التي تعني السلالة العلوية ، لأن تعريف الدولة في المغرب يختلف عن تعريف القانون الدولي لها ، حيث درج التاريخ على ربط الدولة المغربية بالسلالة الحاكمة ، مثلا الدولة الموحدية ، الدولة المرينية ، الدولة الادريسية ، الدولة الوطاسية ، الدولة العلوية ... لخ حيث ان سقوط السلالة ، يعني سقوط دولة العائلة ، لكان تفسير التغيير فيما لو قاده الشعب ، لا يخرج عن عنوان الثورة . لكن ماذا لو كان وراء قلب شكل الدولة ، وليس النظام ، انقلاب عسكري ، كما حصل في 1971 و 1972، وكاد ان يحصل مع الجنرال احمد الدليمي في 1982 ؟
العسكر، سيصفون الانقلاب بالثورة ، مثل الانقلابات التي حصلت بالمشرق العربي ، وقد يشاركهم هذا الوصف بعض احزاب البرجوازية الصغيرة التي تحلم بالقفز الى الحكم من فوق . لكن الماركسيين والشيوعيين ، سيصفون هذا التغيير بالانقلاب العسكري ليس إلاّ ، ولن يصفونه بالثورة اذا لم تقودها الجماهير الثورية بحزبها الثوري .
ـــ
موقع الحوار المتمدن .




نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://chourapress.com/news3284.html
نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : 0
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
أضف تعليقك
    تعليقات الزوار

    أكتب الرقم الذي تراه امامك :