الاستبداد .. مفهومه و أنواعه و أسبابه و آثاره

 


  انتقاء للمقالات ذات الحمولة الفكرية و السياسية و الثقافية مضمونة النتائج الإيجابية على المتلقي ، اخترنا هذا الموضوع المتمحور حول ظاهرة تفشت و  تتفشى قديما و حديثا على مستويات متفواتة في هرم السلطة  الحاكمة ، انتقينا موضوع الاستبداد من مصدرنا : االمنظمة اليمنية للتوعية القانونية والسياسيه ، و هو مقال جدير بالتدبر و الاستيعاب و الفهم .
مقدمــة :
أن الأوضاع السيئة التي يعيشها عالمنا العربي والإسلامي اليوم و الفشل الذريع في تحقيق الحد الأدنى من تطلعات المجتمع في التنمية والوحدة والحرية، يعود في جزء كبير منه إلى أنظمة الحكم المستبدة التي وصلت إلى الحكم بقوة السلاح وتسلطت على الشعوب باللا شرعية، وحافظت على طغيانها ووجودها بالعنف والقمع والاستبداد.
ان شعوبا ترزح تحت القهر غير قادرة على مواجهة مشاكلها التنموية فضلا عن مواجهة التحديات الخارجية. فالنظم الاستبدادية تقتل في شعوبها إرادة التفكير والتطوير والإبداع وتخلق مجتمعا متأزما. فأسير الاستبداد كما يقول الكواكبي "يعيش خاملا فاسدا ضائع القصد، حائرا لا يدري كيف يميت ساعاته وأوقاته".
كما أن إشكالية الاستبداد بالرأي وعدم القدرة على تقبل الرأي الآخر والتعايش معه غدا مشكلةً مستعصية وأصبح معها الخلاف والاختلاف صورةً مألوفة في المجتمعات العربية وجعل إمكانية تحقيق الوحدة والتعايش في ظل الاختلاف ضربا من المحال.
ورغم خطورة وأهمية موضوع الاستبداد إلا أنه يعد من الموضوعات القليلة المسكوت عنها والمحظور تداولها بين الناس والمحاطة في نفس الوقت بالغموض من كل جانب حتى لا يتسنّى للناس تحقيق مقولة (اعرف عدوّك أوّلاً) وبالتالي حتى لا يتمكّنوا من التغلّب عليه، وسنحاول في هذه الورقة إجلاء الغموض عن هذا المفهوم والحديث عن آثاره وأسبابه وكيف يمكن معالجته .


أولاً- مفهوم الاستبداد :
1– الاستبداد لغةً: الاستبداد لغةً هو الانفراد ويقال استبد به: انفرد به واستبد بالأمر يستبد به استبداداً، إذا انفرد به دون غيره. واستبد برأيه: انفرد به واستبد الأمير بالسلطة أخذها لنفسه ولم يشارك فيها أحداً، ولم يستشر، فهو مستبد.
وينصرف معنى الاستبداد في اللغة إلى معنيين الأول الانفراد بالرأي فيما تجب المشورة فيه والثاني الاستحواذ على شيء هو حقٌ مشترك والانفراد به دون وجه حق ويفيد المعنيان استبداد الحاكم في حكمه إذا انفرد به دون رعيته ولم يشركهم في الأمر وهذا هو المعنى الذي درج المفكرون على قصده في استعمالهم كلمة (استبداد)، لوصف أسلوب مستهجن للحكم ،ينفرد فيه المستبد بشيء هو حقٌ مشتركٌ ويتصرف فيه تبعًا لهواه .
2- الاستبداد اصطلاحا: لقد تطور مصطلح الاستبداد عبر الزمن ومر بمراحل عدة حتى صار إلى ما هو عليه اليوم وبدأ هذا التطور في الفكر الغربي ثم انتقل تطور المفهوم تاليا إلى الفكر العربي الإسلامي فكلمة مستبد (Despot) في اللغة الانجليزية مشتقة من الكلمة اليونانية ديسبوس (Despots) التي تعني رب الأسرة، أو سيد المنزل أو السيد على عبيده، ثم خرجت من هذا النطاق الأسري إلى عالم السياسة لكي تطلق على نمط من أنماط الحكم الملكي المطلق الذي تكون فيه سلطة الملك على رعاياه ممثلة لسلطة الأب على أبنائه في الأسرة أو السيد على عبيده.
ويعتبر أرسطو أول من استخدم مصطلح الاستبداد في الفكر الغربي القديم وقصد به ذلك النوع من الحكم الذي يعامل الرعايا على أنهم عبيد ,فيعتقد الحاكم المستبد أن الدولة وما يحتويها من أرض وبشر ملك شخصي له وليس لهم سوى السمع والطاعة.
أما جذور المصطلح في الفكر الغربي الحديث فترجع إلى العالم الفرنسي مونتسكيو الذي وصفه بأنه حكم يسوده شخص واحد بلا قوانين ولا أحكام ويسير كل شيء بإرادته ووفق هواه ،ونادى بعدم تركيز السلطة بيد الحاكم وضرورة فصلها لمنع الاستبداد.
وفي الفكر العربي الإسلامي يعد "عبد الرحمن الكواكبي" أول مفكر إسلامي يجلي للأفهام موضوع الاستبداد ويحدد المقصود منه بصورة دقيقة كما يحدد مظاهره وآثاره في كتابه الذائع الصيت " طبائع الاستبداد " وأعطى لمفهوم الاستبداد دلالات عامة وشاملة خرجت به عن إطار الاستبداد السياسي أو استبداد الحكم فقط إلى مفهوم أوسع وأعم (على عكس الاستخدام الغربي للمصطلح) حيث عرف الكواكبي الاستبداد بأنه غرور المرء برأيه والأنفة عن قبول النصيحة أو الاستقلال في الرأي وفي الحقوق المشتركة. فالاستبداد تعصّب من ينتصر لرأيه ويرفض قبول الرأي الآخر، كما أن الاستبداد هو استئثار المرء بالحقوق العامة التي يتوجب عليه أن يشارك الآخرين فيها.وهذا المعنى يشمل الاستبداد بصفة عامة ويتناول الاستبداد من حيث الهيئة الصادر عنها فقد يكون حاكما أو أبا أو زوجا أو أستاذا أما الاستبداد من حيث هو صفة للحكم فيعرف الكواكبي الحاكم المستبد بأنه من ((يتحكم في شؤون الناس بإرادته لا بإرادتهم ويحكمهم بهواه لا بشريعتهم)) و ((المستبد يود أن تكون رعيته كالغنم سمعًا وطاعةً))، ليس لهم من هدف إلا خدمة مصالحه ولا يسعهم إلا السجود أمام شخصه، ما داموا يعيشون في كنف دولته وتحت رعايته
أما جمال الدين الأفغاني فيتفق مع مونتسكيو أن الاستبداد هو إعطاء القوة المطلقة للحاكم الفرد دونما شيء يقيدها ، ولا عدل إلا مع القوة المقيدة وبالتالي فالاستبداد عند الأفغاني هو غياب القوانين، حتى وإن كانت هناك مجالس نيابية، حيث يقول إن وجود المجالس النيابية لا يعني دائما غياب الاستبداد فالقوة النيابية لأي أمة كانت، لا يمكن أن تحوز المعنى الحقيقي، إلا إذا كانت من نفس الأمة. وأي مجلس نيابي يأمر بتشكيله ملكُ أو أميرُ أو قوةٌ أجنبيةٌ محركة لها فان حياة تلك القوة النيابية الموهومة موقوفة على إرادة من أحدثه والمجلس الحقيقي يجب أن تشكله الأمة نفسها وإلا فهو مجرد مظهر شكلي لا قيمة فعلية له.
ونلاحظ أن المفاهيم السابقة للاستبداد تشترك في أنه يعني غياب القانون ، وهذا ولا شك جانب مهم من جوانب الاستبداد، لكنه ليس الجانب الوحيد ؛ فالالتزام بالقانون لا يكفي وحده لنفي صفة الاستبداد عن الحكم، فأغلب "المستبدين اليوم يقهرون الناس ويستعبدونهم استعبادا قانونيا، تنفيذاً لحكم أصدره قضاة، وتطبيقاً لقانون وضعه مشرعون، وبالتالي فإن فهمنا لفعل الاستبداد يجب أن لا يتوقف عند قانونية فعل الحاكم رغم الأهمية الكبيرة للقانون وسيادته، بل لا بد أن ينصب تفكيرنا على ما هو جوهري في فعل الاستبداد فإذا كان الاستبداد –كما سبقت الإشارة- يفيد معنى الانفراد، فإنه يتضمن بدون شك معنى نفي الآخر واستلاب حقوقه الطبيعية التي خلقها الله سبحانه وتعالى لصيقةً به كحقه في التعبير عن آرائه وحقه في الاشتراك في إدارة شئونه وتقرير مصيره وقد يكون هذا الاستلاب مؤطرًا بقوانين ونصوص دستورية كما أن السلطة السياسية هي في الأصل نابعة ومؤسسة على علاقة تراض وقبول بين طرفي الأمر الحاكم والمحكومين، والاستبداد هو تجريد الأمر من الحق الذي يؤسسه وتحويل السلطة إلى سيطرة، وعلاقة الأمر والطاعة، إلى علاقة إكراه وإذعان. فالاستبداد يحول العلاقات بين أفراد المجتمع من علاقات تحكمها وتنظمها قوة الحق إلى علاقات يضبطها محض القوة. والاستبداد باعتباره علاقة قوة مجردة من كل حق يقوم في مبدئه على الغلبة والاستيلاء أي "انتزاع الحكم والقبض عليه من دون تفويض من المجتمع بل ضد إرادته.


ونخلص في الأخير إلى تعريف اصطلاحي للاستبداد بأنه (تصرف فرد أو جماعه بحقوق شعب دون خوف من المؤاخذة والاستجواب سواءًا استخدم القوه أم لم يستخدمها)


ثانيا:الاستبداد والطغيان :
يتداخل مع مفهوم الاستبداد مفاهيم أخرى مشابهة كالطغيان والدكتاتورية والحكم المطلق والتسلطية والشمولية فمن المفكرين من رءا أنها وجوه متعددة لشيء واحد ومنهم من ميز بينها وربما عُد مفهوم الطغيان من أقدم المفاهيم التي اختلطت بمفهوم الاستبداد، حيث يعني الطغيان في دلالاته اللغوية (علو الشيء وتجاوزه عن حدوده المعيارية) كأن يقال "طغى الماء"، وقد أشير إليها في القرآن الكريم بقوله تعالى: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى }طه24
وعرفه أرسطو بأنه صورة الحكم الفردي بممارسة السلطة دون رقيب ولا حسيب و استخدم هذا المفهوم للإشارة إلى أنظمة الحكم التي تسرف في استخدام القوة في إدارة السلطة،لذلك، يميز البعض بين مفهوم الاستبداد ومفهوم الطغيان من زاوية صفتي "القهر والجبر" اللتين يشتمل عليهما مفهوم الطغيان
بينما يرى البعض إن الطغيان مرادف لمفهوم الاستبداد وليس شيئا آخرا منفصلا عنه،فقد نميز بين فعل استبدادي وآخر، لكننا لا يمكن أن ننفي عنه صفة الطغيان؛ فليس العنف أو القهر أو عدمهما هما اللذان يعبران عن طبيعة الاستبداد، فيجعلان من فعل ما طغيانا وانعدامهما يجعلان منه استبدادا ، فصفة الطغيان ملازمة لفعل الاستبداد سواءًا تم بالترغيب أو بالترهيب، فمن الطبيعي للحاكم المستبد الذي استفرد دون وجه حق بشيء مشترك للجميع أن يستخدم العنف والقوة للاحتفاظ بما سلب وإجبار الآخرين على قبول ذلك وبالتالي فالعنف أو القهر والجبر لا يعبر في الحقيقة عن طبيعة فعل الاستبداد، بل يشير إلى الوسيلة التي ينشئ بها المستبد فعله.
ثالثا: أنواع الاستبداد :
من الواضح انه يمكن تصنيف أنواع الاستبداد وفقا لمعيارين :
المعيار الأول : من حيث الجهة الصادر عنها الاستبداد فقد يكون المستبد فردا سواءًا كان حاكما أو أبا أو زوجا أو معلما وقد يكون المستبد عائلة أو عشيرة أو قبيلة عندما تستأثر أحداها لنفسها بإدارة نظام الحكم وقد يكون المستبد حزبا سياسيا فيما "الاستبداد الحزبي" عندما يحكم الدولة والمجتمع حزب واحد وتلغى أو تهمش باقي الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني .
المعيار الثاني: تصنيف الاستبداد من حيث مجالاته كالتالي:
1- الاستبداد الفكري :وهو تبني رأي أو فكر أو اجتهاد (لا نص ثابت فيه) وعرضه على أنه الحقيقة المطلقة التي لا جدال فيها ويكون من نتيجة ذلك عدم القبول بالفكر أو الرأي أو الاجتهاد الآخر وتسفيهه والتقليل من شأنه وقد يمتد ذلك إلى التضييق على أصحابه والتنكيل بهم.
2- الاستبداد الاجتماعي: ويتلخص هذا النوع من الاستبداد في القول أو الاعتقاد بأحقية طائفة أو قبيلة أو فئة اجتماعية على أن تعلوا أو تسود أو تحكم على غيرها ،وقد تمارس الدولة الاستبداد الاجتماعي إلى جانب الاستبداد السياسي من خلال قيامها بالاحتكار الفعلي لجميع مصادر القوة والسلطة في المجتمع.
3- الاستبداد السياسي:عندما نصف الاستبداد بـ "السياسي"، فإن المقصود به هو انفراد شخص أو مجموعة أشخاص بإدارة شؤون المجتمع السياسي دون بقية المواطنين. فالاستبداد السياسي يفترض وجود علاقة بين طرفين متساويين في الحقوق والواجبات العامة، ينفرد أحدهما (بالحقوق المشتركة في إدارة شؤون المجتمع) دون الآخر. فهو فعل يقوم على الاستحواذ والاستيلاء والسيطرة على "شيء" هو حق مشترك مع الغير والاستيلاء عليه دون وجه حق. وبالتالي فالاستبداد السياسي ينصرف إلى اعتقاد فرد أو جماعة أو حزب بأنها الوحيدة التي لها الحق في الحكم والبت في الشئون العامة دون غيرها.
4- الاستبداد الاقتصادي: ويعرف بأنه انفراد شخص أو مجموعة أشخاص أو هيئة أو جهة اعتباريه بمصادر القوة المالية والاقتصادية في المجتمع ،وغالبا يأتي الاستبداد الاقتصادي مترافقا مع الاستبداد السياسي فمن ناحية عادةً ما يلجأ الحاكم المستبد لتوطيد سلطته إلى السيطرة على مصادر القوه الثلاث في المجتمع الجيش الذي يقتل ويقمع، والإعلام الذي يشوّه ويضلل، والمال الذي يحرم منه هذا ويعطى منه ذاك، والمال هو راس كل ذلك فهو الجالب لقوة الجيش ولصوت الإعلام وصورته، ومن ناحية أخرى فان المتنفذين وأعوان الحاكم المستبد غالبا ما تمتد أعينهم إلى الأنشطة الاقتصادية والتجارية في المجتمع للمشاركة فيها مستفيدين من نفوذهم السياسي وجامعي إلى جواره نفوذ المال والقوة الاقتصادية لتكتمل حلقات السيطرة.


رابعا: موقف الإسلام من الاستبداد :
إن الإسلام لا يجيز كل أنواع الاستبداد سواءُا كان هذا الاستبداد بالرأي أو الفكر أو استبداد بالحكم أو السلطة السياسية فالإسلام يحث على الحوار والإقناع للوصول إلى الصواب في أمور الفكر والعقيدة. ويدعو إلى الجدال بالحسنى (وجادلهم بالتي هي أحسن) كما يؤكد الإسلام على قيم الحرية والمساواة فالناس أحرار إلى المدى الذي لا يصل إلى الإضرار بالمجتمع وجميعهم متساوون لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى ، والشورى في الإسلام فرض لازم للرعية على الحاكم ولا يجوز للحاكم أن يستبد برعيته ولا يعتبر الانحراف الذي أصاب الأمة في فترة مابعد الخلافة الراشدة دليلا على صفة الحكم في الإسلام أو أن الإسلام يجيز الاستبداد ويسوغ له ،فقد تجسدت صفات الحكم الإسلامي التجسد الحق في حكم الرسول (ص) وحكم الخلفاء الراشدين من بعده فهذا (أبو بكر) رضي الله عنه في خطبتة يوم تولى الخلافه يقول: (أيها الناس، إني قد ولّيت عليكم، ولست بخيركم، فإن رأيتموني على حق فأعينوني وإن رأيتموني على باطل فسددوني).
والحاكم في الإسلام إنما يُنصَّب لإقامة الأحكام، وهو في جميع ما يتولاّه وكيلُ للأمة ونائب عنها، وهي من ورائه في تسديده وتقويمه وأخذ الحق منه إذا وجب عليه، وخلعه والاستبدال به متى اقترف ما يوجب خلعه، فالحاكم ملزم بالقانون، وما هو إلا منفّذ له، والسيادة إنما هي للأمة التي بيدها أن تنحيّه عن منصبه إذا خالف القانون.
ورغم تحريم الإسلام للاستبداد ومقته للمستبدين إلا أنه لم يجز الخروج على الحاكم الظالم المستبد بالسيف ما لم يأت بكفر بواح وذلك حفاظا على وحدة الأمة و استقرارها ،وأجاز مقارعة المستبدين ومواجهتهم بالكلمة والوسائل السلمية وجعل أعظم الشهداء رجلاً قال كلمة حق عند سلطان ظالم فقتله.


خامساً : آثار الاستبداد :
يؤدي الاستبداد أينما وجد إلى التراجع في كافة مرافق الحياة ووجوهها وإلى تعطيل الطاقات وهدرها وإلى تقييد حركة تقدم المجتمعات ووقف تطورها وللاسبتداد آثار سلبية ، ليس هذه الصفحات محل تفصيلها ويكفي هنا الإشارة إلى الآثار التالية :ـ
1- آثار الاستبداد على الدين :
الأنبياء والرسل الذين بعثهم الله سبحانه وتعالى لهداية البشرية منذ أول الأنبياء سيدنا آدم عليه السلام وحتى خاتم النبيين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم جاءوا وهم يحملون رسالة واحدة هي دعوة الناس إلى التحرر من عبودية بعضهم بعضاً وعبادة الأثاون والأصنام إلى عبودية الله وحده لا شريك له وتحقيق العدل والمساواة وتحريم امتهان كرامة الإنسان وسلب حقوقه وتوزيع الثروة بين الناس على أسس عادلة مصداقاً لقوله تعالى :{ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ }الحشر7
وغرس المبادئ والقيم الأخلاقية النبيلة التي تحث على التراحم والتآلف بين أفراد المجتمع .
والاستبداد من حيث خصائصه وتطبيقاته يتناقض تناقضاً آلياً مع تلك المبادئ والقيم فهو يصادر الحقوق ويكبت الحريات ويكرس الفرقة والتمزق والبغضاء بين أبناء المجتمع الواحد ويحارب الأخلاق والقيم النبيلة ويسعى إلى تدميرها ولا يؤمن بمبدأ المساواة .
ومعنى ذلك أن العلاقة بين الدين والاستبداد هي علاقة تضاد وتصادم ووجود أحد هما لابد وان يكون على حساب الآخر وإذا ما أعدنا قراءة التاريخ والسير فسنتبين دون عناء أن الاستبداد كان وما يزال أهم العوائق والعقبات التي حالت وتحول دون تبليغ الرسالات السماوية ونشر الشرائع الإلهية فلولا طغيان فرعون واستبداده لما واجه سيدنا موسى صعوبة في تبيلغ رسالته إلى قومه ولولا استبداد قريش وطغيان قادتها لما هاجر نبينا محمد صلى الله علية وسلم إلى المدينة وترك ( مكة ) أحب بقاع الأرض إلى قلبه كما قال صلى الله عليه وسلم، وبعبارة أخرى فإن الدين ينتشر ويقوى عندما تتوفر أجواء الحرية والمساواة ويضعف ويتراجع في الأجواء الظروف التي يسودها الكبت والاستبداد.
وخطورة الاستبداد على الدين تبرز في عدة جوانب فمن جانب ما من مستبد سياسي كما يقول الكواكبي إلا ويتخذ لنفسه صفة قدسية يشارك بها الله لكي تعطيه مقام ذي علاقة مع الله ، ولا أقل من أيتخذ بطانة من أهل الدين المستبدين يعينونه على ظلم الناس باسم الله وهذا بطبيعة الحال يشوه صورة الدين الإسلامي الذي رفع الإصر والأغلال وأباد الميزة والاستبداد ويفتح المجال للبدع والخرافات وإدخال ماليس من الدين فيه .
والاستبداد من جانب آخر يؤدي إلى تعطيل الكثير من الفرائض الشرعية ومنها فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي تعتبر أهم واجب ورسالة للإنسان المسلم في حياته فمن غير المعقول القيام بمهمة كهذه في ظل حكم مستبد يكبت الحريات ويصادر الحقوق ويرفض القبول بالنصح والمشورة
والاستبداد فوق هذا وذاك يقوض القيم والمبادئ الأخلاقية التي حث عليها جميع الشرائع والديانات السماوية ويسعى إلى طمسها من نفوس أفراد المجتمع لأن وجودها يهدد الوسائل والقيم الرذيلة التي يلجأ إليها المستبدون في ممارستهم للسلطة والمحافظة عليها .
2- الآثار الاجتماعية :
كما أن للاستبداد آثارًا مدمرةً على الأوضاع الاجتماعية وتماسك المجتمعات ومستوى تقدمها ، فإن النظم الاستبدادية في الغالب تحارب العلم والعلماء وتسعى في العادة إلى تكريس الجهل والتخلف حتى لا تتنور الرعية بالعلم والمعرفة التي تساعد على توضيح ما للرعية وما عليهم ، مالهم من حقوق وما عليهم من واجبات . فالعلم ( فيه من نور الله ، وقد خلق الله النور كاشفًا للظلام ولاداً للحرارة والقوة ، وجعل العلم مثله وضاحاً للخير فضاحاً للشر، يولد في النفوس حرارة وفي الرؤس شهامة )( )
والمستبد لايخاف من العلوم كلها ، وإنما من التي توسع العقول وتعرف الإنسان بحقيقته وغايته ، وماهي حقوقه ، وتحفز على الإبداع والابتكار وتنمي القدرة على التفكير الخلاق وترشد الناس إلى الصواب وتمنحهم القدرة على التمييز بين الصحة والخطأ .
والقول إن الاستبداد عدو العلم ليس إدعاءًا وإنما توجد شواهد كثيرة على ذلك ، والناظر المدقق في تاريخ الإسلام ، يجد للمستبدين ، من الخلفاء والملوك الأولين ، أفعالاً مريعة في إطفاء نور العلم ومحاربة العلماء والمفكرين وفي الوقت الحاضر لا يخفى على أحد حقيقة ما فعلته الأنظمة المستبدة في العلم وأهله حيث يلاحظ بهذا الشأن أن نسبة الأمية في المجتمعات التي تحكمها أنظمة مستبدة ، أكثر من نسبة الأمية في المجتمعات التي تحمها حكومات غير مستبدة كما أن هجرة العقول من الدول غير الديمقراطية إلى الدول الديمقراطية شاهد آخر على مثل هذه الحقيقة.
والخلاصة : أن الاستبداد والعلم ضدان متغالبان ، فكل إرادة مستبدة تسعى جهدها في إطفاء نور العلم وحصر الرعية في حالك الجهل ، والغالب ان رجال الاستبداد يطاردون رجال العلم وينكلون بهم فالسعيد منهم من يتمكن من مهاجرة دياره ، وهذا كما يقول الكواكبي سبب أن كل الأنبياء العظماء عليهم الصلاة والسلام وأكثر العلماء الإعلام، والأدباء النبلاء عاشوا حياتهم غرباء خارج بلدانهم.( )
كما يؤثر الاستبداد سلباً في البناء الطبقي للمجتمعات حيث يقرر بناءًا طبقياً هجيناً يتكون من ثلاث طوائف لكل طائفة ( أو طبقة ) مميزاتها الخاصة فالأولى تتمتع بالكثير من الامتيازات بسبب امتناعها عن قول مالا يجب أن يسمعه المستبد وهي (طائفة المتملقين ) وطائفة أخرى مضطهدة ، لأنها لا تعرف السكوت عما يجب قوله وبين الطائفتين طائفة ثالثة تكتفي بالصمت والرجاء أملاً بتغير الأحوال
وفي عصر الاستبداد ينشأ الفرد ضعيفاً مهزوز الشخصية يميل إلى الخنوع والذل والتوجس والريبة بمن حوله ويداهن ويرائي ويظهر مالا يبطن خوفاً من بطش المستبدين ويصعد أراذل الناس لأنهم وحدهم المستعدين لإهدار كل قيمة وكرامة من أجل إرضاء رغبة الحاكم المستبد وتنفيذ أوامره ، في ظلم الرعية والتنكيل بهم ويستبعد أصحاب الخلق الرفيع من الصدارة لأن لا مكان لهم ولا قدر ولا وظيفة في منظومة الاستبداد وإذا كان الاستبداد بمعناه الاجتماعي هو اعتقاد طائفة أو جماعة أو فئة أو قبيلة بأن لها الحق في أن تعلوا وتسود دون غيرها فإن هذا يفضي إلى إحياء النعرات العصبية والطائفية والمذهبية بين أبناء المجتمع الواحد مما يشكل تهديداً للوحدة الوطنية والسلم الاجتماعي لأن من غير المعقول أن تقبل بقية الطوائف أو الجماعات بالتهميش والعيش في إطار نظام لا يجسد الشورى والوطنية ولا يعترف بالمواطنة المتساوية .
3-الآثار الاقتصادية
وبالمثل للاستبداد آثار مدمرة على موارد الدولة واقتصاداتها الوطنية فالاستبداد في أحد معانية هو احتكار المال والثروة في يد فرد أو جماعة أو سلطة دون وجه حق وحرمان الآخرين منها وعادة ما يلجأ الحاكم المستبد لتوطيد سلطته إلى السيطرة على مصادر القوة الثلاثة الرئيسية .. الجيش ، كأداة قتل وقمع ، والإعلام كأداة للتضليل والدعاية والتعظيم للحاكم ومنجزاته والمال الذي يحرم منه هذا أو يعطي منه ذاك ، وفي كل ذلك فإن المال يظل رأس الأمر كله فبه يجند الجنود وتجهز الجيوش وبه أيضاً تشترى وسائل الإعلام والإعلاميون ،وبشكل موجز فإن أثر الاستبداد على الأوضاع الاقتصادية تبرز في عدة نقاط منها :ـ
ـ يؤدي الاستبداد بسبب سيطرة قله على المال والثروة إلى تمحور دورة المال في نطاق ضيق ومحدد وحصر عدد المستفيدين إلى أعداد محدودة جداً وينتج عن ذلك انتشار الفقر وتوسع مساحته وتدني المستوى المعيشي للمواطنين وانخفاض دخولهم ومدخلاتهم المالية .
ـ وفي الأنظمة الاستبدادية أيضاً يسعى الحكام ومسئولوهم بصفة دائمة إلى السيطرة على كل الأنشطة الاقتصادية والتجارية ولاسيما الأنشطة ذات العائدات الربحية الكبيرة ومنع الأفراد والجهات الأخرى من ممارستها خوفاً من المنافسة وخروج الثروة عن سيطرتهم كما يطلب أولئك المسؤلون عمولات مرتفعة للموافقة على إرساء المناقصات لهذه الشركة أو تلك ويصل الأمر أحياناً إلى حد المطالبة بالدخول كشركاء في المشاريع الاستثمارية الكبيرة ، فضلاً عن ذلك فإن الأجواء الأمنية في ظل الأنظمة المستبدة لا تكون في العادة مطمئنة بسبب الخوف المتبادل بين الحاكم والمحكومين ، وهذا يفضي في المحصلة النهائية إلى هروب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية من الاستثمار حيث والأجواء غير مهيأة . وإلى هذا وذاك فإن الاستبداد يؤدي إلى تبديد الثروات الوطنية وتصريفها في غير مجالاتها الحقيقة والضرورية لأن الأنظمة المستبدة في العادة تصل إلى الحكم بطرق غير مشروعة ودون رضا الشعوب وموافقتها مما يجعلها تشعر بحالة خوف دائم على فقدان السلطة وهذا يدفعها بالتالي إلى إنفاق مبالغ مالية ضخمة على الشئون الأمنية والعسكرية ومشتريات الأسلحة والحراسات الأمنية وشراء الولاءات والذمم وذلك على حساب مجالات أخرى أكثر أهمية وضرورة بالنسبة للمجتمع مثل التعليم والصحة والصناعة وغيرها .
4_الآثار السياسية
أما الآثار السياسية للاستبداد فتتجلى مظاهرها أكثر ما تتجلى في الجوانب التالية :ـ
ـ فمن ناحية يؤدي الاستبداد إلى وجود أنظمة حاكمة تقدم مصالحها الخاصة على مصالح العامة وأمنها الشخصي على أمن المجتمع لأن اعتمادها أي الأنظمة المستبدة على القوة في الوصول إلى الحاكم وفي المحافظة عليه يجعلها تنظر إلى القوة وكأنها العلاج السحري لكل المشكلات المستعصية التي قد تواجهها وهذا بخلاف أنظمة الحكم التي تصل إلى السلطة عن طريق الانتخابات الديمقراطية والتي تحرص دائماً على أن تضع مصالح الشعب نصب أعينها كون الشعب صاحب السلطة وصاحب التفويض الحقيقي والذي يملك زمام الأمور.
ومن جانب آخر فإن الاستبداد بمعنى احتكار السلطة والانفراد بعملية اتخاذ القرار واستبعاد باقي فئات المجتمع من دائرة المشاركة ومصادرة حقوق الإنسان وحرياته يؤدي إلى إصابة الفعل السياسي بالشلل والعجز والضمور وعدم مواكبة متغيرات الحياة بسبب عدم تجديد الرؤية السياسية والاجتماعية التي تحتكرها جماعة الحكم . كما يؤدي الاستبداد إلى تراكم الأخطاء وتخبط السياسات والتوجهات العامة للدولة والمجتمع مما ينتج عنه تكريس التخلف وتبديد الثروات وإهدار الطاقات بل والدخول في أحيان كثيرة في حروب خارجية لاسبب ولا مبرر لها .
والاستبداد بالسلطة فوق هذا وذاك يؤدي إلى أفراغ العملية السياسية من مضامينها وأهدافها الحقيقية وتحويلها إلى مجرد مظاهر شكلية ومناسبات احتفالية الأمر الذي ينتج عنه عزوف الناس عن المشاركة السياسية وميلهم إلى اللامبالاة ، وقتل الطموح والإبداع لدى الفئات الشابة في المجتمع ، وإهدار طاقتهم في مجالات وجوانب غير مفيدة مثل الغناء والرقص والفنون التشكيلية وغيرها وإما إلى وتعاطي الأفيون والمخدرات والمشروبات الروحية كمحاولة من الفئات العمرية الشابة للهروب من واقعهم الذي يعيشونه .
وفي بعض الأحيان ونتيجة لسد كل قنوات التعبير عن الرأي والإسراف المبالغ فيه في استخدام القوة من قبل السلطة المستبدة يلجأ بعض الشباب إلى الانخراط في أعمال العنف والعمليات المسلحة مما يجر المجتمعات في أحيان كثيرة إلى حالة من عدم الاستقرار على اعتبار أن العنف لا يولد إلا العنف.


سادساً : أسباب الاستبداد :
هناك العديد من الأسباب والعوامل التي تقف وراء بروز ظاهرة الاستبداد لعل أهمها مايلي:ـ
1- عدم الفصل بين السلطات الثلاث .. التشريعية والتنفيذية والقضائية وتركزها في يد شخص واحد بحيث يكون هو القاضي والمشرع والمنفذ في آن واحد والسلطة المطلقة كما يقول جمال الدين الأفغاني مَفسَدَةٌ مطلقة .
2- عدم التناسب بين مبدأي المسؤولية والمحاسبة حيث نجد أن الحاكم المستبد في العادة له صلاحيات واسعة بل مطلقة ولكن لا يقابل هذه الصلاحيات أي مساءلة وهو ما يطلق له حرية التصرف في الأمور وفقاً لمزاجه وهواه لأنه يشعر أنه غير محاسب أو مساءل .
3- عدم توزيع مصادر القوة بين الدولة والمجتمع وضعف آلية الرقابة على السلطة بحيث تحاسبها إذا أخطأت أو تعزلها إذا أخلت .
4- عدم التمسك بقيم ومبادئ الدين الإسلامي التي تحث على مناهضة الاستبداد ودعت إلى تحقيق العدل والمساواة والشورى في الأمر واحترام الإنسان .
5- انتشار الأمية بين أفراد المجتمع والجهل المعرفي لدى قطاعات واسعة من الناس مما يفقدهم القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ ويوفر أفضل الفرص لتضليلهم وسيطرة الحكام المستبدين عليهم .
6- وجود ثقافة مجتمعية مهادنة للاستبداد وقابلة للتعايش معه والعيش تحت ظلاله من قبيل تعظيم الحاكم والنظر إليه على أنه لايخطئ أو كمن لا يجوز نقده أو محاسبته .
7- تركز معظم الأنشطة الاقتصادية والتجارية في يد الدولة وضعف القطاع الخاص وقلة المشاريع الاقتصادية الأهلية مما يجعل الناس غير متحررين في نمط معيشتهم .





نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://chourapress.com/news3235.html
نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : 0
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
أضف تعليقك
    تعليقات الزوار

    أكتب الرقم الذي تراه امامك :