( المثقف ) المغربي الانتهازي


   سعيد الوجاني ــ
     إذا عدنا الى العشرية الأولى من الالفية الثالثة، وبالضبط منذ وفاة الحسن الثاني، فإننا نكاد نصدم من التحول الرديء الذي ظهر به أكثرية ما يطلقون على انفسهم ب (المثقفين) . فهم وان كانوا يُزقزقون وينطّون هنا وهناك، للالتصاق بالجديد السلطوي، وحتى يتعيّشوا من الفُتاة المتطاير من موائد السلطة لتصبيغ الحالة ، وتزليج الناطق بما فيه ، فان الصورة الناطقة بما فيها ، لا تعدو ان تزيغ عن انها باهتة واللعبة رديئة ، والمسرحية مكشوفة . فعلى من تلعبون، ولمن تُسوقون ، وما ضميركم ، إن كان لكم من ضمير أصلا ، وانتم تمدحون وتغنون كعيّاش لا يهمهم غير ملء البطن ، وتضخيم الجيب .
لقد أصبحت الصورة الباهتة للثقافة ولل ( مثقفين ) لا تخرج عن اطار الرسميات ، والعموميات لتأبيد مشهد شاحب ، ونفخ الروح في جسم ميت ، كتكملة لما اصبح عليه المشهد السياسي حيث الهرولة ، والجري لأداء الخدمة والتصدي للخارجين عن المألوف .
فالأكثرية ويا للأسف المرتبطة بالطقوس والتقاليد المرعية في نفاق مع حداثة مفترى عليها ، هم الرّاضُون بالواقع الكاشف الراهن عن قناعة منافقة ، او لغرض خاص . ففي صفوف هذه الزمرة الحربائية السكيزوفرينية ، نجد جميع الاشكال والألوان والانتماءات . فمنهم المشدود عضويا الى النظام، ومنهم المستقل نسبيا بمقدار ما يمثل قوى هامشية او حقائق اجتماعية عارضة، او سائرة في طريقها الى الزوال.
كذلك سنجد ان منهم من يتلبس لبوس (اليمين ) ، ومنهم من يتلبس لبوس ( الوسط )، ومنهم من يتلبس لبوس ( اليسار ) واي يسار ، كما نجد في صفوفهم ، من الناحية الأخلاقية واستشراف المستقبل ، اصنافا والوانا . فمنهم من يتشوّف الى ( الجديد ) ويطلبه حتى ولو كان في وضع لا يستطيع ادراكه ، وفيهم المتشبث بالقديم او اللحظة الراهنة عن قصور رؤية او غاية شخصية ، وفيهم المثالي الذي يصافح عمّا يؤمن به من مُثل ، وفيهم الانتهازي الوصولي البارد القلب ، يوجه بصره او حاسة شمه كالكلب نحو ما يؤمل اجتناءه من نفع شخصي نتيجة تقلب الظروف والأنظمة .
ودعك من المرائين والمدّاحين الذين يخفون ببهرج الحلل التي يطلعون بها على الناس نزعات استغلالية مُموهة او متلبسة زيا جديدا في ظل واقع تحكمه الشعارات اكثر مما تحكمه الأفعال ، وهم الذين يعتبرون تبدلات الحياة مجالا للصيد لا ينتهي ، او الذين يضعون ( ثقافتهم ) في الخدمة كما توضع القصيدة قيد التلحين والغناء ، او الذين يلعبون دور محامي الشيطان لكل قضية .
إذا اسقطنا من مجال التقدير الحدّين الهامشيين لهذه الزمرة الفاسدة الحربائية من ( المثقفين ) ، المثاليين منهم وهم الأقلية ، والحربائيين وهم الأكثرية عمدا عن قصد الثقافة وشرفها ، بقيت لنا كتلة كبيرة تشكل ظاهرة عامة او مأساة فكرية عامة ، لأن هؤلاء ( المثقفين ) في المجتمع المغربي المتخلف تنعدم فيه المشاركة الجماهيرية الواسعة ، يمثلون في قوام السلطة ، كل سلطة ، جزءا منها من عملية التفاعل بين عنصرين ، العنصر الشعبي الذي لا يحسّ ولكنه لا يدرك او لا يعلم ، والعنصر الثقافي الذي يعلم ولكنه لا يدرك او لا يحس دائما . وايّا كان الالتزام السياسي لهؤلاء (المثقفين) ، فقد كانوا و لا يزالون قاعدة لا غنى عنها لكل سلطة سياسية تبعا لدورهم فيما يسمى ب " المجتمع المدني " غير الموجود ، اي المجتمع المدني الاسترزاقي التسولي .
وفي مجتمع ثيوقراطي ، أثوقراطي يحتكم الى الماضوية والى التقاليد المرعية ، مجتمع ساكن يتجمد فيه الإنتاج الوسطي ، او لا يتقدم الاّ ببطء مثل الحلزون والسلحفاة ، ولا يحصل فيه تبدل في علاقات الإنتاج التي تعطي الطبقات والجماعات اشكالها ومقوماتها الجديدة ، يصبح العمل السياسي من خلال السلطة المرعية التقليدانية ، هو الظاهرة التي تتحرك على سطح الحياة ، فيحبو هذه الزمرة من ( المثقفين ) إحساسا بالتبدل ، ورضا ذاتيا بمواكبة الحياة والتطورات .
وبما ن العمل في ظل الركود ، والجمود ، والخوف من التجديد والجديد لا يثير من الانقسام في البنية الاجتماعية الاّ بقدر ما يمكّن أصحابه ، بطريقة او أخرى ، من الوصول الى السلطة او المحافظة عليها ، باسم ( الجماهير ) وبدونها ، فمن بداهة الأمور ان يترك هؤلاء ( المثقفين ) انفسهم تحملهم الموجة الصاعدة ، بين حين وآخر نحو السلطة ، دون ان يتقاضوا انفسهم وعيا معمقا او التزاما فكريا ، بل يكفيهم وعي وضعي ، والتزام سكوني الأسباب والابعاد ، يتضمن فيما يتضمنه استعداد الكثيرين منهم للتنازل عن وجودهم الذاتي اكتفاء ببنية نفسية – فكرية تقوم بكاملها على مبدأ السلطة وتجاهل الحرية .
ان بلوغ الثقافة الحقة كما كان الامر عليه في الستينات والسبعينات ، يبقى امرا صعبا في ظل انكفاء ( المثقف ) في خندق السطلة .ان هذا البلوغ لا يستطيعه الاّ من هو قادر على تحدي المعاناة ، ومواجهة الصعاب ، لأن مظاهر التخلف المختلفة بالمغرب تطبع بطوابعها أوجه الحياة كافة ، بما في ذلك الثقافة ، وهو امر لا يخرج مرحليا عن طبائع الأمور .
ورغم ذلك يبقى هناك فرق بين موقف وموقف ، وسعي وآخر . فبين ان يحاول المثقف النفاذ ،ولو بجهد ومشقة ، الى الحاجات التي تطرحها الحياة ، فيتصدى لها بشعور بالمسؤولية ، والتبعة ،والاستزادة من المعرفة ، وبين ان يداري عجزه بالانتماء السياسي ، او التقرب من السلطة سترا لمعارف ضحلة ، او قاصرة ، او لكسل فكري ، او خواء معرفي ، بين هذا وذاك فرق كبير .
ان رغبة ( المثقف ) المغربي في الوصول في بلد متخلف ومتحجر لا علاقة له بالحداثة ولا بالعصرنة ، هي اشد منها لدى امثاله ممن يعيشون في مجتمعات متقدمة ، لأن ما يسمى ب ( المثقف ) المغربي لا يقيس نفسه بمقياس الثقافة العالمية ، بل يقيسها المسكين القصير النظر بمقياس التخلف الموروث والسائد بالمغرب ، فتغدو طلباته بالاعتراف ب ( مزاياه ) مبررة في عين نفسه ، وعند بلوغه رغباته وغايته ، سرعان ما ينكشف شخص المسكين كسياسي لا يزاول السياسة ، ولكن كعيّاش يتعيّش من السياسة ، وفي اكثر الحالات يتكشف دور هذا ( المثقف ) كإداري رديء يعمل بوزارة الداخلية او بإحدى مقاطعاتها المتخصصة في تْبرگيگ . وبالتالي يختزل دوره كمهرج ، أو ذي منصب ، او مجرد تكنوقراط ملجوم ومحدود .
المثقف قضية، والقضية هي من اختصاص المثقف، وحين كان للمثقف قضية في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، كان بالفعل المثقف مثقفا، لكن عندما ارتمى هذا في أحضان النظام، واستلذ حلاوة السلطة، وطلق القضية حين باع ضميره ،إن كان له يوما من ضمير ، اضحى وضعه لا يختلف عن الزمار والمُطبّل والمداح .





نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://chourapress.com/news3227.html
نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : 0
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
أضف تعليقك
    تعليقات الزوار

    أكتب الرقم الذي تراه امامك :