شرح {} تَوَضَّأ بِماءِ الغَيْبِ إنْ كُنْتَ ذا سِرٍّ *** وإلا تَيَمَّم بالصَعيدِ أو الصَخْرِ {} و ما يلي من أبيات

حكم ابن عطاء الله/ لابن عجيبة ـــ
   تَوَضَّأ بِماءِ الغَيْبِ إنْ كُنْتَ ذا سِرٍّ *** وإلا تَيَمَّم بالصَعيدِ أو الصَخْرِ
وَقَدِّمْ إماماً كُنْتَ أنْتَ إمامَهُ *** وَصَلِّ صَلاة الفَجْرِ في أوَّلِ العَصْرِ
فَهذي صَلاةُ العارِفِيْنَ بِرَبِّهِم *** فَإنْ كُنْتَ مِنْهُمْ فانْضَحِ البَرَّ بالبَحْرِ

لكن لابد قبل الشروع في المقصود من تقديم مقدمات بين يدي نجوى محمد بن عبد الكبير الكتاني نسبا وطريقة الأحمدي.

المقدمة الأولى:

اعلم أن التوحيد الذي هو فناء النواسيت شعور شعشعانية الماهية الذاتية المطلقة على مراتب:
الأولى: التوحيد النظري إن علم بالاستدلال أو التقليد، أي إن اعتقد بمجرد تصديق المخبر الصادق وسلم القلب من الشبهة والحيرة وهو أن يعتقد أن الله منفرد بوصف الألوهية متوحد باستحقاق العبدية.
الثانية: التوحيد العملي وهو أن يصير العبد بخروجه عن قيد تقييد أوصافه وانسلاخه عن لباس الاختيار حيران في فضاء عظمة أنوار الجبروتية، فيعرف أن الموجود الحقيقي والمؤثر المطلق هو الله وحده، أعني استبدادا، وأن كل ذات وعنصر فرع من نور ذاته، وكل صفة من علم وقدرة وإرادة وسمع وبصر عكس من أنوار صفاته واثر من آثار أفعاله. وهاهنا ربما يدعى مذهب الجبرية وهو أن العبد كالميت بين يدي غاسله، لا حركة ولا تدبير ولا اختيار، فكأنه آلة والمحرك واحد من شدة ما يغامره من شهود أنوار مقتضيات الأسماء والصفات والأفعال، أعني انفعالاتها. فربما ينكر وجود القدرة الحادثة لاستهلاكه في فضاء الوجود المطلق، وانتفاء التغيير المأخوذ من الأمانة التكليفية {قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا}.
لكن يا عارف كتب في ديوانة الأزل أن هذه الوحدات التعددية لا تخرج عن حكم القبضتين السعادة والشقاوة، الاتصال والانفصال، الائتلاف والاختلاف، التقييد والإطلاق، الظلمة والنور وهلم جرا. فقبضة السعادة متعلقها الجنة بسبب الذهاب على السنن المستقيم، وقبضة الشقاوة متعلقها النيران بسبب الانحراف عن النهج القويم {ولن تجد لسنة الله تبديلا}، "هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي وهؤلاء إلى النار ولا أبالي".
فإن تلك النشأة العنصرية تجتمع منها أبخرة منعقدة هي المعبر عنها بالكثافة الظلمانية وهي منشأ القبضة النارية، وعنصرها وأساسها الكسب الشرعي المضاف إلينا على سبيل الاستمداد وهي القدرة الحادثة التي لسنا بها نقدر وإنما القادر حقيقة {القائم على كل نفس بما كسبت}، فنحن مجبورون في قالب مختار، فليس لقدرتنا الحادثة تأثير أصلا بشاهد {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى}. أي: وما رميت حقيقة إذ رميت صورة، فالنفي هاهنا مسلط على أصل الفعل وعلى وصفه

وأما ما نقل عن الأستاذ من أن المؤثر في الفعل مجموع القدرتين قدرة الله وقدرة العبد، وأنه جوز اجتماع مؤثرين على أثر واحد على أن تعلق قدرة الحق بأصل الفعل وقدرة العبد بوصفه بأن تجعله موصوفا بكونه طاعة أو معصية فهو بريء منه لأنه لا تأثير لشيء من الكائنات في أثر ما عموما.
وأما قول المعتزلة أن العبد يخلق أفعال نفسه فهم ينظرون إلى أن المؤثر في المسببات العادية هو قدرة العبد الحادثة، لكن بقوة أودعت فيه لا بالطبع. وعليه فهم عصاة لا كفار.
فالآية هاهنا جمعت بين مقامات الفرق والجمع والتشبيه والأدب والنسبة الكسبية المشار لها بآية {وعليها ما اكتسبت}، وسلب تأثير القدرة الحادثة المكتسبة والمستندة إلى وسع القدرة الذاتية، وفيها اتصال بحر الناسوتية بخضم اللاهوتية. وعليه فقوله تعالى {إياك نعبد}؛ أي: بالنسبة الكسبية المرتبطة بالقدرة الحادثة.

نكتة:
اعلم أن قدرته تعالى عبارة عن مقتضى ذاتي يبرز المعلومات الحكمية في نفسها إلى البساط العيني. ثم إن جميع شؤونه تعالى قديمة بقدم الذات، لها الأزلية المنزهة عن الأولية المنسوبة إلى الأزمنة إذ هي بالنسبة إليه سواء.
ومن جملة شؤونه: محبته المثبوتة للفروع الجامعة بين الإطلاق والتقييد وهي قديمة بقدم الذات. وقد قال "ولا زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنته" المراد هاهنا الشعور لا غير وإلا فالكنتية قديمة، تفهم.
وعليه؛ فقدرته الذاتية الواجبة له بمقتضى الذات عين قدرة الحروف المنقوشة في جوهرية العما الأزلي والأبدي، إنما سبحان من ستر المعاني بالمباني توهما للفرق. فكذلك النقط المرقومة في لوح الإطلاق هي بلونه وما ذاك إلا للوجود المطلق الساري في سائر جزئيات العالم الكوني والغيبي. بيد أن نسبتها إليه قدرة قدسية استبدادية أوجبها له الوجوب الذاتي، ونسبتها إليهم قدرة استمدادية لذلك تحجم في بعض الأوقات لأنها ليست بذاتية لاستيلاء أحكام العناصر على العوالم المركب منها الهيكل.
فلما يريد الله نفوذ أحكام القبضة الظلمانية يسلبه عقل التمييز حتى يقع فيما يقع لنفوذ الأحكام الإلهية. وإلا لو كان العبد لا حكم له أصلا حتى بالنسبة الكسبية لما كان تصييرنا إلى النار عدلا بل جورا وتعالى وتقدس {وما ربك بظلام للعبيد}. فتلك النسبة هي التي أثبتت الشرائع. وهذه القدرة الثابتة لنعوت التعينات هي المشار لها بقوله: {لقد خلقنا الإنسان}، أي: عنصره وأساسه وأسه، أي: منقوشا في طي التعين الأول {في أحسن تقويم}، أي: روحا جزئية متصلة بالكلية. وليس هناك إلا اتصال السر بالسر في مقام المعاينة والاصطحاب، لأن الغيرة تأبى انفصال المحب عن المحبوب أعني ولو عينا، وإلا فالاتصال الحكمي هو المعبر عنه بالمعية. ثم لما أرادت مرتبة المحبية الظهور تدفقت وانتشرت الشؤون الإلهية.
ثم اقتضى ما سطر أن لون الماء لون إنائه وكان العالم الحال فيه مرصعا بأنواع الكثافات والتغيرات الآتية من جهة حمل الأمانة قال: {ثم رددناه أسفل سافلين} بنسجنا عليه أردية مقتضيات العناصر، وأزر شؤون الطبائع، ومجموع ذلك تحدث منه أبخرة تنسحب على سباك الهيكل فيصير محجوبا عن الأصل، ضرب بينه وبينه بسور فهذا أسفل سافلين. لكن هناك أرباب الإيمان أعني المرتبة الثالثة فيه إذ فيه مراتب:

الأولى: العوام يعلمون أن المعطي والمحيي والمميت هو الله.
الثانية: يعلمون أن الكون كله ظلمة وإنما أناره ظهور نور الحق فيه.
الثالثة: يشهدون أن ليس في الكون إلا حقائق {واعلموا أن فيكم رسول الله}، ورقائق {فأينما تولوا فثم وجه الله}، وهذه المقصودة هاهنا، وهم المشار لهم بقوله: {رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه}. أي: في عالم الذر المسموع فيه الخطاب الثالث. فهم أجابوا على بساط اللطافة ولا زالوا على العهد القديم.

ومن ذلك أيضا: ما يسمعه أرواحهم وعقولهم وأسرارهم من نغمات الألحان والأوتار والأصوات الحسية في العالم الكوني لأنهم عاهدوا الله على الصوت القديم الغير المتحيز فلا زالوا يسمعونه بأرواحهم في رتبة الفضاء الآن، وهم أنواع، وتلك الأمور الحسية تذكرهم المنازل والخيام. على أن فيهم من يرى أن المحرك للأوتار والمسموع من الأصوات وهلم أنامل مقتضيات القدرة، فالحركات الحسية آلات والمؤثر هو: {القائم على كل نفس بما كسبت}. فلا اعتراض على أهل الله في سماعهم الآلات.
لكن الشرط؛ وهو: قوله {صدقوا}. ولما آثر القرآن التعبير بالفعل المجهول في قوله: {وإذا قرئ القران فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون}؛ علمنا أن القراءة ولو سمعها المحقق الأحمدي من الحق، فواجب أن يستمع بشاهدة الأمر وهو للوجوب حقيقة عند طائفة من الأصوليين، بل أمرين؛ فتأكد الوجوب فلابد من الاستماع حالة سماعه القرآن من صاحبه. وهذا من أنواع المكالمة، وهي واقعة بشاهد {وما كان لبشر أن يكلمه الله}. فالنفي منصب على عنوان البشرية. والكلام إذا قيد بقيد فروح الكلام هو ذلك القيد وإليه يتوجه النفي والإثبات كما هو قاعدة من علم المعاني.
فإذا غابت مقتضيات البشرية وأحكامها وبقيت عينها قائمة تجوهر الهيكل فيكلم من حيث كلمت الروح، ومن جهل شيئا عاداه. بل صرحت الآية بأن الاستماع لا يكفي، فلابد من الإنصات المؤذن بإثبات العين في عين انمحاقها، ولولا وجودها ما صح استماع فأحرى الإنصات كأن الآية تقول لا يكفيه الاستماع بأن تنحل تراكيبه وجزئياته ويلتحق بالإعدام الغير الثابتة فيكون جامعا للضدين في عين إثباته، لاشك أن جواهر الهيكل بعد انعدامها تسمع بسماع حقيقي لا مجازي لأنها شيء والقرآن يقول: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده}. بل لابد من الإنصات، كأن هذا حض من الحق على إثبات العين في بساط الرسوخ والتمكين لا في بساط الانمحاق، فما ثم لذة في هذا المشهد أصلا
لأجل هذا ورد في الحديث: "سؤر المؤمن شفاء"، والمؤمن من أسماء الحق وسؤره عبارة عن الانفعالات الصادرة من المكالمة في بساط التجريد شفاء من داء التقييد، فيسقى من هذا السؤر فتنفى عنه حلة غير الصدق وتنشر عليه ألوية: {رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه}، فيحيى بحياة حقانية أبدية "خلق الله آدم على صورته" وهذا هو المعبر عنه بماء الحياة، وكم شربنا من عذب معينه. وفي الحديث "الحمد لله الذي جعله عذبا فراتا برحمته ولم يجعله ملحا أجاجا بذنوبنا"، وهو قول القرآن: {ثم رددناه أسفل سافلين}.
فإذا فعل ما ذكر؛ كسي حلة {لعلكم ترحمون}؛ بالرحمة الإطلاقية التي منها السقي بسؤر المؤمن وهو أثر المكالمة والمحادثة إذ لابد من أثر، وهاهنا عبر القرآن: {وإنك لعلى خلق عظيم}، بقراءة الإضافة بدون تنوين، فالخلق العظيم من آثار "سؤر المؤمن شفاء" فلم يؤثر فيهم العالم ولا مقتضياته لأنهم صدقوا، وفيهم قال: {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات}، أي: الأمور المنخرطة في سلك الصدق وهو أن لا يسمعه في جهة أو يفتر عنه ذلك، بل السرمدية أزلية وهي عين الأبدية، إذ الأزلية عين الآخرية وهكذا. وإنما سماه عملا؛ لأنهم لما تمكنوا في المقام صاروا كأنهم كلهم عمل تفهم.
وهؤلاء: {فلهم أجر} على الصدق المطلق {غير ممنون} عليهم بل هو من حقائق مكامن أسوار القدرة المذكورة فليس بممنون عليهم، بل لازالوا على ما كانوا في الكنزية مع إقامة رتب الشرائع على ما ينبغي لصاحب القوة من الجهتين وهو مقام غريب جدا.
وما كنت في إبراز هذه النكتة من أولها إلا كالمجبور، فدعها في خدرها إن وصلتها وإلا فسلم لأقوام قالوا:
تركنا البحار الزاخرات وراءنا فمن أين يدري الناس أنى توجهنا؟
ثم إن منشأ هذه الرتبة الثانية: المراقبة فدونكها.

الثالثة: التوحيد الحالي وهو أن يصير التوحيد وصفا لازما لذات الموحد بحيث تتلاشى ظلمات الحدثان من باصر بصيرته إلا مقتضيات البقية الظلمانية فإنها ترق ولا تنقطع، {بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين}، وبإثباتها صح مقتضى القبضة الظلمانية وإثبات العدو، وإلا أين هو العدو من الصديق، وفي الحديث: "وأعوذ بك من شماتة الأعداء"، وفي الحديث أيضا: "وأعوذ بك من غلبة الرجال"، وفي الآية: {فلا تشمت بي الأعداء}... وهلم جرا.
فلابد من إثبات البقية، وبعد إثباتها ظلمانية لا نورانية وإلا لما بقي لها أثر ولا فائدة في إبقاءها. ويدلك على إثبات البقية في الهيكل الإنساني بعد انعدام عينه ورسمه ووسمه ونعته وفناء وجوده المقيد وشهوده الوجود المطلق، لأن لكل أحد ربية منطوية في وجوده، ولا يزال الحق يبرز لها منها شيئا فشيئا إلى أن يصل لرتبة "من عرف نفسه عرف ربه". فالمحقق من ذهل عن ربيته وانتقل وزج به إلى ربية رب العالمين صدر ديباجة القرآن: {الحمد لله رب العلمين} تفهم وجود الظلية منه حالة مشيه في الشمس، فلولا أن البقية فيه ما أثرت الظلية في شعاع الشمس.
ويدلك - أيضا - على إثباتها وجود الداعية للأكل والشرب والجماع وغير ذلك من الملاذ من المركوبات والمشمومات والملبوسات والمنكوحات والمطعومات والمشروبات وهذه ملاذ الدنيا. ولما كان هكذا؛ قال من نطق الحق على لسانه: "والله يا رسول الله ما أكلت إلا لنا ولا شربت إلا لنا ولا بسطت إلا لنا"، تفهم. ويدلك - أيضا - على وجودها: إظهار الضعف وحالة الافتقار، ولو دام ذلك المشهد ظاهرا وباطنا، عينا وحكما ما أظهر إلا انفعالات القوة الجمعية التي اكتنفها من سر الخلافة، تفهم.
ويدلك - أيضا - على إثباتها: أن الأصل في هذه الأعيان الثابتة هو العدم المحض، وهو ظلمة في المعنى: {أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا}. فامتن الحق بحالة ظهور الأشعة النورانية على حالة كمون الظلمة في الظلمة. فإذا الظلمة المعبر عنها بالعدم الساذج سابقة، والأصل أن يبقى ما كان على ما كان فلا يتغير.
وتذكر سر قول القرآن: {وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه}. لا يخفى أنا مستخلفون في مرتبتي الإطلاق والتقييد، لكن عالم الشهادة هو المنوط به التكليف فهو المستخلف فيه نحن {إني جاعل في الأرض}، ولم يقل: في السماء؛ لأنها محل اللطافة فآثر التعبير بجانب ما يقتضي الكثافة، فنحن مأمورون بالإنفاق من جنس ما استخلفنا فيه وليس إلا مقتضى العناصر الظلمانية المركب منها الهيكل فهذا سر غامض في الآية تفهمه يا ولي.
وهاهنا قال القرآن: {وآية لهم الليل نسلخ منه النهار}، فلاشك أن المنسلخ فرع عن المنسلخ عنه والمنسلخ منه أصل للمنسلخ عنه والليل هاهنا هو المنسلخ عنه فهو أصل فيبقى أثره في الذات الترابية بعد انفصام عراها، وهذه آية عظمى لأجل ذلك عقبها بقوله: {فإذا هم مظلمون}، الجمع بين الضدين إذ لاشك أن الليل في حالة ليليته جامع للنهارية وهل الجمع بين الظلمة والنور إلا جمع بين الضدين.

نكتة:
تقرر عندنا أن كل من دك طوره فقد قامت قيامته لكنها تختلف، ولاشك أن الهياكل الجسمانية إذا عدمت يبقى فيها عجب الذنب كما ورد وهو إحدى المستثنيات، كذلك إذا وقع التبديل المعبر عنه بالموت يصير إلى مرتبة يكون الرائي هو المرئي، ومع ذلك هل انفصلت عنه البقية فهي عجب ذنب هذا الموت أيضا، تفهم. فيصير صاحب هذه المرتبة الثالثة في غلبة إشراق نور التوحيد، لا ينظر للأغيار بحيث لا يظهر عنده شهود إلا الذات الواحد، ويرى التوحيد صفة الواحد لا صفته.
وعلامته أن لا ينسب إلى نفسه ولو في العبارة فعلا أو وصفا أو نسبة أو أثرا أو إضافة أو انفعالا، فلا يقول: أكلت أو شربت أو نمت أو قعدت أو خرجت أو نكحت، فلا يسند إلى نفسه شيئا ولو مجازا، لأنه يرى التوحيد صفة الحق وكيف ينازعه فيها.
وهاهنا قال القرآن: {وما يوم أكثرهم بالله إلا وهم مشركون}؛ فلا يخفى أن الإشراك والإيمان لا يجتمعان لأنهما ضدان، ومع ذلك أخبرت الآية بوقوعه فما بقي إلا أن يحمل على الإشراك في نسبة الفعل إلى نفسك مع الغيبة عن الظاهر في قواك الحسية والمعنوية بشاهد: {إن ربهم بهم}، فهو متجل في جميع جزئيات جزئياتك فهو الفاعل {وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا}.
فانظر يا ولي كيف صرحت الآية بالجمع بين الضدين فعليه أن يتلطف حتى في العبارة لأن ما في الباطن يظهر مقتضياته على أرجاء الظواهر كأن يقول أطعمَني سقاني أخرجني أقعدني حركني وقس، اللهم إلا في المساوئ فيضيفها إلى نفسه تنزيها لساحة الربوبية: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك}.
وفي الحديث "أدبني ربي فأحسن تأديبي"، يشير إلى قول القرآن: {الحمد لله رب العلمين}، أي: مربي العالمين، ومنهم: هو؛ تفهم. وتذكر قول الخليل أرباب الأدب المطلق عليهم الصلاة والسلام: {الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي}.

نكتة:
قد يكون صاحب هذا المقام في بساط الجمع فينسب الأمور لنفسه ولا بدع في ذلك {إنا جعلناك خليفة في الأرض} فإياك والالتباس وفرق بين مقامات الناس فإن الناقد بصير. وهاهنا قال الكليم {هي عصاي}، بإضافة العصا إلى نفسه فلولا أنه في هذا المقام ما ساغ له أن يفوه بمثل هذه الإضافة لأن فيها ادعاء الشركة معه في الملكية، {ولله ما في السماوات وما في الأرض}، فهو من قبيل: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم}.
في بساط التحقيق: ليست لنا أنفس ولا أموال حتى تضاف إلينا لكن لولا نسبتها إلينا ما صحت نسبة مناط التكليف المشار لها بالأمانة في الآية التي عجزت السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وما هذا إلا لوفور علمها بالله فعلمت أن ما خلق له النوع الإنساني شيء عظيم: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا}، {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}، والعبادة لا تقوم إلا بدعائم صعبة المسالك تحتاج لأسس وقواعد وجدران ومعالم ورسوم، فأبى من ذكر عنه الإباء لما ذكر وهو بساط مدح بشاهد وأشفقن منها، والإشفاق لا يكون إلا من شيء ثقيل، والانخراط فيه لا يصح إلا من في مقام الانبساط والدلال. فبإثبات ما ذكر إلينا صحت إضافة الأعمال إلينا {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت}، فأراد الحق بذلك إقامة الحجة علينا من جميع الجهات، وإلا فلو أضافها إلى نفسه ثم أرسل عليها رياح التكاليف ووكلها إلى ما عندها فالبديهة تعجز وليس هذا من شأن الحكماء وهو حكيم، فإذا أقام الحجة وجدت المحل عندنا بعقولنا فما أبدع إتقانه.

نكتة:
مَن الأولى للمحقق الأحمدي أن يثني على الحق تعالى بلسان الجمع أم بلسان الفرق؟.
الذي يعطيه الذوق الكشفي: أنه في مقام قاب قوسين المتعلق بسلطان العوالم، أعني القلب، أعني في مقام كشف المعية الخاصة بالأحمدي وهذا مقامه السرمدي لا يزايله، ولو بان عنه في بساط من البسط لا يستحق التسمية بهذا الاسم. وما كل إنسان بواديها يسرح. وإذا كان كذلك؛ فقول الفارضي:
ولو خطرت لي في سواك إرادة *** على خاطري سهوا قضيت بردتي
صحيح لا امتراء فيه. فالخطور لا يحصل فالمسبب عنه ممنوع لأنه معلق عليه، فلا يخرج قلب المحقق الأحمدي من التعلق بأستار كعبة التحقيق لا في النوم فأحرى في اليقظة. كيف وموروثه يقول "تنام عيني ولا ينام قلبي" ولوارثه حظ. فيؤخذ من قوله: "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" المراد بالعلماء العلماء بالله لا بأحكامه وبينهما بون كبير؛ {تسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل}. إن من العلماء بالله من يكون معصوما كالأنبياء لا يخطر على قلبه غير الله في سائر اللحظات والحضرات والنوم والغفلة؛ لأنهم: {على صلاتهم دائمون} كما في القرآن.
ومطلق الناس مطالب بالحضور مع الله على قدر ما له، وهؤلاء صلاتهم مؤبدة. كيف والمصطفى صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يقبل من صلاة أحدكم إلا ما عقل منها" أي: باعتبار الأصالة لا باعتبار الكمالية. اللهم باعتبار قوم قالوا: {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به}، ومنه: دوام الحضور مع الله خصوصا في الصلاة، وما أمروا بالاستعاذة حتى قبل منهم ما ألهموا لطلبه، والقرآن يقول في حق الحرم الشريف: {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب اليم}، علق إذاقة العذاب بالإرادة القلبية فأحرى بالعمل، وهذا خاص بمكة، وأما غيرها؛ فقال في الحديث: "إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به نفسها ما لم تعمل به". لكن هذا في غير مكة.
لكن لا يخفى أن القرآن صرح بهذا وسيدنا صلى الله عليه وسلم يقول: "وجعلت لي الأرض مسجدا". فانظر - يا ولي - كيف لم يحصر المسجد في بقعة معينة، بل أطلق ولم يقيد وفصَّل والقرآن أجمل والسنة مبينة للقرآن: {لتبين للناس ما نزِّل إليهم}، وقد بين أن الأدب اللائق بالحق في المسجد ليس خاصا بذوات الجدران بل جميع كرة الأرض مسجدك.
وتذكر قوله في الحديث: "إن الله في قبلة أحدكم"، وفي القرآن:{وأنت على كل شيء شهيد}، والكلية كلية جميعية لا مجموعية. فهو حتى في المواطن المنهي عنها من الكنائس ودور النصارى وغيرهم مما نهي عنه في ظاهر الشريعة: {فأينما تولوا فثم وجه الله}. فتفهم يا ولي فيما أشرت إليك به وكن ممن قيل فيهم: {وأخذوا من مكان قريب}، لا من قوم قيل فيهم: {أولئك ينادون من مكان بعيد}.
فعليه أن يثني بلسان الإجمال أعني بما يثني به على نفسه ذوقا وحالا لا كشفا فقط، فتستوي عليه الرحمانية فتعِيره حللا من الإطلاق وتزيل بينه من بينه فيثني عليه بالثناء المثني به على نفسه ولا يفتر كما تقدم، وهو غريب جدا. وأما باللسان الشهادي فلا يليق به إلا الثناء بلسان التفصيل، أعني في نفسه ونيابة عن أجزائه الحسية والملكية والنفسانية والحيوانية.
وتذكر أحواله صلى الله عليه وسلم. نظير قراءة القرآن فإن الكامل لا يقرأ من حيث دلالته على المعارف والعوارف والقصص والأخبار واستنباط الأحكام أو رؤيتها بل من حيث كونه كلام الله، أعني في بعض الحضرات، وفي غيرها لما ذكر.

نكتة:
وقد ينتقل بعضهم إلى أن يصير هو المتكلم به فيأمر وينهى من حيث تجلى له المظاهر فيصير يخاطبها. وقد رأيتني وأنا بمكناسة الزيتون كأني أخاطب الأثرات الكيانية من حيث هي من الجن والإنس والملائكة والشياطين والأنبياء والرسل والصحابة والروح الكلية وسائر أطوار الولاية وأنا في هذه الحالة معدوم العين والأثر مجهول الأين والرسم، محيت أطواري وكلياتي وجزئياتي في الوجود المطلق فصرت أنا هو. وهاهنا قال في الحديث: "ولا زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنته". وفي مقابلة الحديث: ولا زال عبدي يتقرب إلي بالفرائض حتى يحبني فإذا أحبني كأنني فكان سمعي وبصري. وهاهنا قال في حديث "الصحيح" عن الرجل الذي وجد دابته بعد شرودها فحصل له طرب فقال: "اللهم أنت عبدي وأنا ربك". وهذا المناط يسمى بالتبديل؛ تفهَّم، ولازلت في هذا المقام ثلاثة أيام مع قيام العين وانمحاقها.
وفي مثلنا قال القرآن: {ولا تستفت فيهم منهم أحدا}، فأخذ من الآية أن من هو منهم لا يسأل عنهم ولا يستفتي فيهم لأن كمالات الحق في كل محقق لا تحصى: {ولا يحيطون بشيء من علمه}. {ولا تستفت فيهم منهم}. فمن جهل نفسه كيف لا يجهل عند من هو في أقصى حضيرة الغيوبات. فقد يطلع الإنسان العبدي الحقاني على المكامن وسائر ما في الجيوب ولا يعثر على ما في جيبه وراثة ممن قال: "والله ما عرفني حقيقة غير ربي"، وهو نفسه داخل في عموم لفظة ما فلا يعرفها بألفاظ القرآن اتقوا صلوا زكوا وهلم جرا.
وهذا مقام غريب جدا فلا أدري هل له ذائق أم لا، أعني ذوقا لا علما ولا كشفا. وعلامة من وصل لهذا المقام: يرى متخلقا بأخلاق الله من الرحمة والشفقة على العصاة وأرباب الجور. وهاهنا قال في الحديث: "خيركم من إذا رئي ذكر الله".

ولاشك أن الجبابرة والظلمة وأرباب الظلم والعدوان هم نسخة الحق من حيث ظهر فيهم مقتضيات الجبارية والقهارية والعزيزية والمهيمنية والباطشية والمتكبرية وليس له هو في نفسه اختيار ولا تدبير، بل مجبور بشاهد: "فإذا أحببته كنت سمعه وبصره ولسانه ويده ورجله". ولاشك أن المحبة قديمة بقدم الذات، وعليه فالكنتية قديمة أيضا.
فإذا؛ الحق هو الفاعل بمقتضى: {والله خلقكم وما تعملون}. و"ما" نافية، دل عليها: "فإذا أحببته كنته". فمن خفيت عليه مسألة الكسب؛ فليستنبط مخارجها من هذه الآية والحديث فهما أوضح من شمس الظهيرة.
وإذا كان كذلك؛ فأرباب الجور من الولاة هم خير باعتبار كون من يراهم وتمكنهم من البطش، يتذكر بذلك بطش الحق: {إن بطش ربك لشديد}، فهم من الذين إذا رؤوا ذكر الله باعتبار ما له من الصفات الجلالية وقد ظهرت فيهم، والواحد بالشخص له جهات، و{كل حزب بما لديهم فرحون}، وهؤلاء حزب، وليس من شأن الكريم الترح بعد الفرح، {ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك ،{{فاعف عنهم واستغفر لهم}، {لعلك باخع – أي: قاتل – نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا}، {فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى}. ومجموع هذا كله: هو المشار له بالمرتبة الرابعة: التوحيد الإلهي، أعني: توحيده بما حمد به نفسه إما أزلا وإما أبدا؛ أعني: بلسان المظاهر.

المقدمة الثانية:
اعلم أن التوحيد على قسمين:

1- توحيد أهل الدليل والبرهان؛ وهم الذين يستدلون على وجود الوجود المطلق بوجود العوالم، وهل المخلوقات دالة على وجود الله من جهة إمكانها أو وجودها أو هما معا آراء، ويبرهنون عن ما ذكر بما عندهم.
2- وتوحيد أهل الشهود والعيان، وجل وتقدس على أن يدل عليه شيء.
لقد ظهرت فلا تخفى على أحد *** إلا على أكمه لا يبصر القمرا
وهذا التحقيق، وإلا؛ لبطلت جهة الباطن وانهد ما عليه أهل الله. وقد أساء الحافظ بن حجر في "فتح الباري"، وسعد الدين في "شرح المقاصد" فأبطلا توحيد أهل الله. ويستروح هاهنا بقول من قال:
سارت مُشَرِّقَةً وجِئتُ مُغَرِّباً *** شتان بين مُشَرِّقٍ ومُغَرِّبِ
ولولا الإسهاب؛ لأطرينا في هذا الجناب، ولصحة توحيدهم قال: توضأ بماء.. الخ.
انتهى ما وجد من كتاب "كشف البراقع، بشرح أبيات: توضأ بماء الغيب..." لحجة الإسلام أبي الفيض محمد بن عبد الكبير الكتاني رضي الله عنه.

تفسير الشيخ ابن عَجيبة الحسني للأبيات
من كتابه "إيقاظ الهمم في شرح الحكم"

قال رحمه الله تعالى ورضي عنه في كتابه العجيب "إيقاظ الهمم في شرح الحكم" في شرح قول سيدي ابن عطاء الله السكندري رضي الله عنه: (كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته ... الحكمة):

قلت: الحضرة مقدسة منزهة مرفعة لا يدخلها إلا المطهرون فحرام على القلب الجنب أن يدخل مسجداً الحضرة وجنابة القلب غفلته عن ربه قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا} أي لا تقربوا صلاة الحضرة وأنتم سكارى بحب الدنيا وشهود السوي حتى تتيقظوا وتتدبروا ما تقولون في حضرة الملك ولا جنباً من جماع الغفلة وشهود السوى حتى تتطهروا بماء الغيب الذي أشار إليه الحاتمي رضي الله عنه كما في الطبقات الشعرانية في ترجمة أبي المواهب بقوله:

تَوَضَّأ بِماءِ الغَيْبِ إنْ كُنْتَ ذا سِرٍّ وإلا تَيَمَّم بالصَعيدِ أو الصَخْرِ
وَقَدِّمْ إماماً كُنْتَ أنْتَ إمامَهُ وَصَلِّ صَلاة الظُهْْرِ في أوَّلِ العَصْرِ
فَهذي صَلاةُ العارِفِيْنَ بِرَبِّهِم فَإنْ كُنْتَ مِنْهُمْ فانْضَحِ البَرَّ بالبَحْرِ

يعني تطهر من شهود نفسك بماء الغيبة عنها بشهود ربك أو تطهر من شهود الحس بشهود المعنى أو تطهر من شهود عالم الشهادة بماء شهود عالم الغيب أو تطهر من شهود السوى بماء العلم بالله فإنه بغيب عنك كل ما سواه وإذا تطهرت من شهود السوى تطهرت من العيوب كلها وإلى ذلك أشار الششتري رضي الله عنه بقوله:
طهر العين بالمدامع سكباً *** من شهود السوي تزل كل علة
وهذا الماء الذي هو ماء الغيب هو النازل من صفاء بحار الجبروت إلى حياض رياض الملكوت. فتغرقه سحائب الرحمة، وتثيره رياح الهداية فتسوقه إلى أرض النفوس الطيبة، فتملأ منه أودية القلوب المنورة وخلجان الأرواح المطهرة. وإليه الإشارة بقوله تعالى: {أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فأحتمل السيل زبداً رابياً.. الآية}؛ شبه الحق تعالى العلم النافع بالمطر النازل من السماء. فكما أن المطر تعمر منه الأودية والغدران وتجري منه العيون والأنهار، كل على قدر سعته، وكبره، كذلك العلم النافع نزل من سماء عالم الغيب إلى أرض عالم الشهادة، فسالت به أودية القلوب كل على قدر طاقته وحسب استعداده. وكما أن المطر يطهر الأرض من الأوساخ، وهو معنى قوله تعالى: {فأحتمل السيل زبداً رابياً}؛ أي مرتفعاً على وجه الماء، كذلك العلم النافع يطهر النفوس من الأدناس والقلوب من الأغيار والأرواح من الأكدار والأسرار من لوث الأنوار، وهذا الماء هو الذي أشار إليه بقوله: (توضأ بماء الغيب أن كنت ذا سر)، أي: كنت صاحب سر، والشهود شهود الوحدة ونفي الكثرة، أو شهود العظمة بالعظمة. ومن لم يتحقق بهذا فلا يمكنه التطهير بماء الغيب بالكلية، لفقده ذلك الماء أو لعدم قدرته عليه، فينتقل للتيمم الذي هو رخصة للضعفاء، وطهارة المرضى. وإلى ذلك أشار بقوله (وإلا تيمم بالصعيد أو بالصخر)، أي: وإن لم تقدر على الطهارة الأصلية وهي الغيبة عن السوى لمرض قلبك مع عدم صدقك، فأنتقل للطهارة الفرعية التي هي العبادة الظاهرية، أو تقول وإن لم تقدر على الطهارة الحقيقية التي هي الطهارة الباطنية، فأنتقل للطهارة المجازية التي هي الطهارة الظاهرية. أو تقول وإن لم تقدر على طهارة المقربين فأنتقل لطهارة أهل اليمين. أو تقول وإن لم تقدر على طهارة أهل المحبة فأنتقل لطهارة أهل الخدمة (قوم أقامهم الله لخدمته وقوم اختصهم بمحبته كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراً).

فطهارة أهل المحبة الفكرة والنظرة وطهارة أهل الخدمة بالمجاهدة والمكابدة بين عبادة ظاهرة كصلاة وصيام وذكر وتلاوة وتعليم وغير ذلك وبين عبادة خفية كخوف ورجاء وزهد وصبر وورع ورضى وتسليم ورحمة وشفقة وغير ذلك مما لا يظهر للعيان وهذا هو تصوف أهل الظاهر وأما تصوف أهل الباطن فهو الغيبة عن الأكوان بشهود المكون أو الغيبة عن الخلق بشهود الملك الحق وهو الذي عبر عنه الناظم بماء الغيب. فكل من لم يدرك تصوف أهل الباطن فهو من أهل التيمم. فإن كان مشغولاً بالعمل الظاهر كالصلاة والصيام ونحوهما فهو كالمتيمم بالصعيد لظهورها كظهور أثر التراب على الجوارح. وإن كان مشغولاً بالعبادة الخفية كالزهد والورع ونحوهما فهو كالمتيمم بالصخر لعدم ظهورها في الغالب كعدم ظهور أثر الصخر. ولما أمرك بالغيبة عن السوى خاف عليك إنكار الواسطة وإسقاط الحكمة فتقع في الزندقة فقال: (وقدم إماماً كنت أنت إمامه) والمراد بالإمام هو النبي صلى الله عليه وسلم ومن كان على قدمه ممن جمع بين الحقيقة والشريعة. فأمرك بإتباع الشريعة المحمدية في حال غيبتك عن السوى فيكون ظاهرك سلوكاً وباطنك جذباً ظاهرك مع الحكمة وباطنك مع القدرة. ولا بد أن تقتدي بإمام كامل سلك الطريقة على يد شيخ كامل يعلمك كيفية العمل بالشريعة ويدلك على الحقيقة. وإلا بقيت مريضاً على الدوام تستعمل طهارة المرضى على الدوام. وأنظر قول القرافي رضي الله عنه لما سقط على شيخ التربية قال: "تيممت بالصعيد زماناً والآن سقطت على الماء". إذ لا تجد ماء الغيب ولا تقدر على استعماله إلا بصحبة أهل هذا الماء الذين شربوه وسكروا به ثم صحوا من سكرتهم وسلكوا من جذبتهم فتملكهم زمام أمرك وتنقاد إليهم بكليتك. بعد أن أطلعك الله على خصوصيتهم، وكشف لك عن أسرارهم. فشهدت لهم روحك بالتقديم وسرك بالتعظيم فتقدمهم أمامك بعد إن كنت أنت أمامهم وهم يطلبونك للحضرة. وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو الناس إلى الله وهم فارون أمامه، فلما عرفوا الحق قدموه أمامهم. وهذا معنى قوله (كنت أنت إمامه) وقوله (وصل صلاة الفجر في أول العصر) وفي بعض النسخ وصل صلاة (الظهر في أول العصر) أي اجمع ظهر الشريعة لعصر الحقيقة. وفي أكثر النسخ (وصل صلاة الفجر في أول العصر) أي: ارجع إلى البقاء بعد كمال الفناء، أو إلى السلوك بعد الجذب. إذ الغالب على المريد أن يتقدمه السلوك ثم يأتيه الجذب فأوله سلوك، وآخره جذب كما أن أول النهار صلاة الفجر، وآخره صلاة العصر. أي: ارجع إلى صلاة الفجر التي كانت في أول نهارك فصلها في آخر نهارك فأرجع إلى السلوك الذي كان في أول أمرك فأجعله في آخر أمرك. وهو معنى قولهم: "منتهى الكمال مبدأ الشرائع"، وقالوا أيضا: "نهاية السالكين بداية المجذوبين، ونهاية المجذوبين بداية السالكين"، وقالوا أيضا: "علامة النهاية الرجوع إلى البداية". وسيأتي الكلام على هذا في محله إن شاء الله.
وقوله (فهذي صلاة العارفين بربهم) لأنهم تطهروا الطهارة الأصلية وصلوا الصلاة الدائمة قال الله تعالى، {الذين هم على صلاتهم دائمون}. فالعوام حد صلاتهم أوقاتهم والعارفون في الصلاة على الدوام. قيل لبعضهم: هل للقلوب صلاة؟ فقال نعم؛ إذا سجد لا يرفع رأسه أبداً. أي: إذا سجدت الروح لهيبة الجلال والجمال، لا ترفع رأسها أبداً. وإليه أشار الششتري بقوله:
فأسجد لهيبة الجلال عند التداني *** ولتقرأ آية الكمال سبع المثاني
وقوله (فإن كنت منهم فأنضح البر بالبحر) أي: فإن كنت من العارفين المحققين فانضح بر شريعتك ببحر حقيقتك، بحيث ترش على شريعتك من بحر حقيقتك حتى تغمرها وتغطيها فتصير الشريعة عين الحقيقة، والحقيقة عين الشريعة، حتى يصير عملك كله بالله.
والله تعالى أعلم وبالله التوفيق ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.





نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://chourapress.com/news2915.html
نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : 0
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
أضف تعليقك
    تعليقات الزوار

    أكتب الرقم الذي تراه امامك :