لماذا يقاطع الملك الصحافة المغربية ؟

     في أفق بناء مواطنة مسؤولة : لماذا يقاطع الملك الصحافة المغربية ؟

   لأن الملك راع  ، والشعب مجرد رعية ، فإن ذلك لا يستقيم مع توقع حدوث مقابلة صحفية بين الملك والصحافة المغربية ، إذ لاحق ل "الرعاع" في محاورة الراعي .
إذا كان الأمر كذلك فلماذا يمطر المغاربة يوميا بخطاب "الحداثة"و"التحديث"و"المواطنة المسؤولة"و"التواصل مع الشعب"؟
 
   في هذا المدخل المهم لملف أعده كل من عبدالرحيم أريري و مصطفى حرمة الله و أحمد بوستة نشر بجريدة "الوطن الآن" عدد 215 تسليط للأضواء حول سؤال : لماذا يقاطع الملك الصحافة المغربية ؟
 
"دحضا للافترءات القائلة بأن الملك محمد السادس خجول لا يحب التواصل ، وتفنيدا للإشاعات الهدامة القائلة بأن محمد السادس يتعالى على الصحافيين المغاربة ، فقد ارتأى نظر الملك تنظيم ندوة صحفية ، بحضور ممثلي وسائل الإعلام الوطنية والمكتوبة والمرئية والمسموعة لمحاورته حول مختلف القضايا الداخلية والدولية ، قصد تنوير المغاربة وإطلاعهم على مواقف محمد السادس من كل ملف .
 
و ستنظم الندوة الصحفية زوال يوم الأربعاء في الساعة الثالثة بقصر مارشان بطنجة، وستدوم ساعة ونصف".
 
هذا البلاغ الصحفي يمكن إدراجه ضمن بلاغات الأحلام ، وليس ضمن البلاغات الرسمية الصادرة عن وزارة القصور والتشريفات والأوسمة ، رغم أن هذه الوزارة لا وجود لها قانوني.   
 تصنيف البلاغ ضمن خانة "بلاغات الأحلام" لا يعود إلى قاموسه الخالي من التعابير الطاعنة في اللغة المخزنة التي ألف سماعها المغاربة ، وألفوا قراءتها في كل بلاغ صادر عن القصور الملكية ، بل يعود إلى كون الملوك العلويين لم يتعودوا على استقبال صحافيين مغاربة للتحاور معهم حول الانشغالات التي تهم الرأي العام الوطني .
 
السياسة والكواليس :
 
وإذا كان موقف الملك الراحل الحسن الثاني منسجما مع تصوره للحكم وممارسته السلطة ، بالنظر إلى أنه كان يحلو له وصف نفسه ب "أب الأمة"و"راعي الرعية" و"أنا مستعد للتضحية بالثلث لأحكم الثلث الآخر" ، فإن موقف محمد السادس يولد تشويشا لدى المتتبع . إذ منذ تولي الملك الحكم في يوليوز 1999 حرص على إشهار دفتر تحملات تضمن مجموعة من الالتزامات والتعاقدات بينه وبين المغاربة، وعلى رأسها دفع المغرب ليرقى إلى مصاف الدول الحداثية ، علما أن من مقومات الحداثة عدم ممارسة السياسة وتدبير الشأن العام في الأقبية والكواليس ، وفي العتمة ، بل التشبث بممارستها في المناطق المضيئة وتحت الأنوار الساطعة لمختلف وسائل الإعلام الوطنية ، مرئية كانت مسموعة أم مكتوبة ، حتى يطمئن المواطن إلى سلامة تدبير شؤونه ، وحتى يكون على اطلاع بمختلف ملابسات هذا الموضوع أو ذاك ، نظرا لكون وسائل الإعلام تعد في الدول الحداثية  قولا و فعلا ، أحد شركاء بناء المجتمع وأحد الشركاء لبناء مواطنة مسؤولة تدافع عن الحقوق  و تتشبث  بالواجبات . 
  مصدر التشويش يعزى إلى خيبة أمل المغاربة في رؤية ملكهم وصحفهم و تلفزاتهم  وإذاعاتهم يتحاورون جماعة أو أفرادا أو مثنى مثلما هو الحال في كل الدول المتمدنة ، وهي الخيبة التي تتعاظم حينما يطلعون على رؤى الملك ومواقفه من خلال صحافة أجنبية .  وكأن الصحافيين المغاربة قاصرون في أن يكونوا قنوات ذات صدقية ومصداقية بين مختلف الأطراف الفاعلة في الحقل السياسي .
 
العيب ليس في التحاور مع صحف أجنبية ، فهذا تقليد دأبت عليه كل الملكيات والجمهوريات في مشارق الأرض ومغاربها . وهو سبق تتنافس بشأنه مختلف المؤسسات الإعلامية ،  فضلا عن ذلك فالملوك والرؤساء في الدول الحداثية بقدر ما يعطون حوارات صحفية لمؤسسات إعلامية أجنبية ، بقدر ما تكون أبواب قصورهم مفتوحة دوريا في وجه صحافيي دولهم بدون مركبات نقص أو احتقار أو تعالي . 
 لكن العيب هو استمرار تلك النظرة الدونية للصحافة المغربية ، وهي العدوى التي انتقلت من القصر إلى الداخلية والجيش والدرك والأمن الوطني... أي طالت كل المرافق القوية التي تمسك بزمام القرار بالمغرب ، وهي المرافق التي تدار بأموال وضرائب المواطنين . لكن دون أن يكون للمواطن الحق في معرفة كيف تدار هذه الضرائب . بدليل أن هذه المرافق هي المسؤولة عن إدارة ملف الصحراء الذي يبتلع كل المدخرات المالية للمغاربة . ويتسبب في الإرهاق المالي لـ30 مليون نسمة دون أن تتاح للمواطنين معرفة أسباب النكسة الأخيرة التي حلت بالمغرب عقب صدور التقرير الأمي الأسود بخصوص حقوق الإنسان بالأقاليم الصحراوية ، وكل صحافي اتصل إلا وتصد الأبواب في وجهه . فيكون ضحية توضيحات زائفة أو مقاربة مغلوطة أو ضحية فقر معلومات رسمية مما يضر بحق المواطن في المعرفة والإخبار .
 
  الملك والخجل :
 
  إن القول بأن الملك خجول وانطوائي لتبرير عزوفه عن استقبال صحافيين مغاربة من حين لآخر هو قول مردود ، لأن المرء الذي يسوق سيارته بنفسه في زحمة المواصلات بالمدن الكبرى بدون اتخاذ الاحتياطات الأمنية التي تتناسب مع صفته كرئيس دولة لا يمكن أن يكون خجولا. والمرء الذي يحمل ابنه بين يديه ويطوف به في أزقة ودروب فاس الضيقة والمظلمة ، رغم أنه ملك وابنه يعد خلفا له باعتباره وليا للعهد ،  لا يمكن أن يكون خجولا ،  والمرء الذي يكسر عادات أبيه ، ويبادر إلى إظهار زوجته ، بل وإلى دفعها لتمثيل المغرب دوليا وفي الأنشطة الوطنية ، لا يمكن أن يوصف بالخجل ،  والإنسان الذي يتخذ قرارات جريئة بعزل كبار مسؤولي الدولة ( من عيار البصري والحرشي والمديوري والقداري... ) دون مراعة للسيناريوهات القاتمة  الناتجة  عن  اتخاذ هذه القرارات ، لا يمكن تصنيفه ضمن الأفراد الخجولين.
 
إذا كانت هذه هي ميزات محمد السادس التي تكذب كل ما يقال عنه بأنه خجول . فما الذي يحول دونه لوضع لبنة أولى لبناء دولة حداثية . ألا وهي وضع الثقة في الصحافة المغربية لبناء مغرب مسؤول ولإنتاج ثقة مضاعفة تجعل المغاربة يثقون فعلا في صحافتهم وفي مؤسساتهم ، بدل دفعهم إلى انتظار ما ستجود به عليهم مجلة أو يومية أجنبية لترجمة ما يفكر فيه ملكهم .      فمحمد السادس يحلو له دوما أن يقول بأنه يرفض أن يكون ابنه مولاي الحسن نسخة مطابقة له ،  ألم يقل لمجلة "باري ماتش" (يوم 13 ماي 2004 أثناء حديثه عن ابنه) "إنني لا أرغب  في أن تكون شخصيته مطابقة لشخصيتي، ولكن أن تكون له شخصيته الخاصة"؟.  
   إذا كان مغاربة الحسن الثالث بعد ثلاثين أو أربعين سنة محظوظين لكونهم سيحكمون من طرف ملك له شخصيته الخاصة ،  فلماذا لا يتمتع مغاربة محمد السادس بهذه الحظوة،  ويبادر الملك إلى وضع قطيعة مع موقف والده الحسن الثاني الذي بنى حجابا بينه وبين الصحافة اللهم إذا كان البروتوكول المخزني أقوى من الخطب الموجهة للشعب المتضمنة لنوايا التحديث والشفافية .
 
  ولكن من يدري ، فقد تحدث المفاجأة ، ويقود محمد السادس حركة تمرد ضد قواعد المخزن وبروتوكولاته الموغلة في التكلس، ويعلن عن تنظيمه لندوة خاصة بوسائل الإعلام الوطنية .





نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://chourapress.com/news2895.html
نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : 1
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
أضف تعليقك
  1. محمد النادي

    بتاريخ 10 مارس 2018 على الساعة 21:30

    كلام معقول وفي الصميم

  2. تعليقات الزوار

    أكتب الرقم الذي تراه امامك :