8 مارس : مقاربة إسلامية حول قضايا المرأة

بقلم : عبدالحق بوعزة ــ *


   إن مسألة المرأة ودورها في المجتمع موضوع حساس يحتاح إلى مزيد من الاهتمام . فبدون بنائه على رؤية إسلامية حضارية مخلصة من شوائب القرون ، لا يكتب للمشروع الحضاري اﻹسلامي النجاح . فاﻷمر يتعلق بنصف المجتمع ، فبدون حياته فلا حياة للمجتمع ، وبدون حيويته فلا حيوية في المجتمع .


ورغم إصرار اﻹسلام على رفع الظلم الواقع على المرأة ﻵماد عدة ، فقد بقيت النظرة إليها تقتضي تبعيتها للرجل ، وبقيت مشاركتها في حياة مجتمعاتها في ساحات الحركة واﻹبداع والعطاء بكل أنواعها متأثرة بإرث ثقيل من الانتقاص والتهميش .. فأصبح من الضروري تخليص النظرة إلى المرأة ووضعيتها مما علق بها عبر القرون واﻷزمان ، وتمثل الشرع أكثر ومبادئه ، صافيا من كل شائبة ، مأخوذاً من منابعه ومصادره اﻷصلية 》 .


في هذا اﻹطار يتولد السؤال التالي ﻷجل توضيح الرؤية ومناقشة قضية المرأة إن كان للمرأة قضية !


هل المرأة قضية ؟


للإجابة عن هذا السؤال أمكن القول : إن عدة ألفاظ أُلصِقت بالمرأة : مشكلة أم إشكال ؟ قضية أم معضلة .. ؟ بينما اﻷمر لا يعدو أن يكون إفرازاً مرضياً جاءنا عبر الثقافة الغربية والغزو الحضاري لبلادنا يوم أن بدأت مجتمعاتنا تنفذ حذافر المشروع التخريبي الهادف إلى إفصام اﻷمة عن هويتها ، والذي ما انساب إلينا إلا بوجود قابلية الانسياب ، أو كما سماها مالك بن نبي المفكر الجزائري : القابلية للاستعمار . كما أن هذه اﻷلفاظ التي تحمل في طياتها الشعور أو اللاشعور الثقافي طرحها اليسار عبر منظومته الفكرية وحمولته الثقافية المبنية على صراع اﻷضداد ويدخل ضمنها الصراع بين الرجل والمرأة ، من ثم وجود قضية أو مشكلة المرأة .


إن اﻷمر ليس كما يدعي البعض أن لُبّ المشكلة يكمُن في اﻹسلام ؛ ﻷن نظرة سريعة في التصور الحضاري المتوازن لﻹسلام تجاه المرأة يبين بوضوح كاشف الفروقات الجوهرية بين نظرة اﻹسلام للمرأة ونظرة الجاهلية القديمة والحديثة المغفلة .


وإذا عاودنا تمحيص النظر في جنبات نظرة الدين اﻹسلامي للمرأة والحقوق التي أعطاها إياها نرى أن دراسة أي جزئية من جزئيات اﻹسلام بتجريدها من اﻹطار الذي وُضِعت فيه .. سيؤدي بنا " إلى تشويه المراد الحقيقي من الحكم " وانطلاقاً من هذه الملاحظة اعتُبِرت دراسة موضوع المرأة دراسة مفصولة عن باقي النُّظُم التي جاء بها اﻹسلام ، كفيل بتشويه نظرة اﻹسلام للمرأة " كما وقع لدعاة تحرير المرأة من المستغربين " .


ومن هذا المنطلق يمكن الحديث أساساً عن أهم الجوانب التي سوى فيها اﻹسلام بين الرجل والمرأة ، وأهم الجوانب التي فرق فيها اﻹسلام بين الرجل والمرأة :


أ - الجوانب التي سوى فيها اﻹسلام بين الرجل والمرأة :


1 - الناحية الروحية : إن اﻹسلام قد سوى بين الرجل والمرأة في هذه الناحية وآيات القرآن طافحة بهذا ، منها على سبيل التمثيل لا الحصر ، قوله تعالى : { وَمَنْ يَعْمَل مِنْ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً } سورة النساء اﻵية : 124 .


2 - الناحية التصرفية : إن اﻹسلام أعطى للمرأة حق التصرف التام في جميع ما تملك مصداقاً لقوله تعالى : {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الوَالِدَانِ والاَقْرَبُنَ وَللِنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الوَالِدَانِ وَالاَقْرَبُونَ } النساء اﻵية : 7 .


3 - حق التعبير : أعطى اﻹسلام للمرأة حق التعبير ؛ فلها الحق أن ترفض ، ولها الحق أن تقبل دون ضغط ، يتضح هذا من قول الرسول صَلّى الله عليه وسلّم : "لاتُنْكَحُ الثّيّبُ حتى تُسْتأمر ولا تُنْكح البِكْر حتى تُسْتأذن ... (رواه البخاري ومسلم) . أو كما قال عليه السلام . وهذا الجانب بالضبط تنتج عنه الكثير من المخاطر والويلات فيما يخص الاستقراري اﻷسري ؛ إذ في الغالب لا يُحْترم رأي المرأة في مسألة حق الاختيار بالنسبة لمن يُشارك حياتها ... فكم من أسر دفعت ببناتها لهذا المأزق الخطير ...


4 - حق التعليم : أعطاها اﻹسلام ذلك كما أعطاه للرجل .


5 - حق العمل والكسب : فقد أعطى اﻹسلام المرأة الحق في العمل مصداقا لقوله تعالى " { وَلاَ تَتَمنَّوْا ما فَضَّل اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ للِرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّ اكْتَسْبْنَ } النساء اﻵية : 32 .


6 - الحق السياسي : فاﻹسلام أعطى للمرأة حقاً سياسياً - دون تولّي اﻹمامة الكبرى التي ورد فيها نص خاص يستثنيها - انطلاقا من قوله تعالى : { وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بِعْضُهُمُ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ } سورة التوبة اﻵية : 71 .


وهنا لا بد من نافلة القول بيان : إلى أن اﻹسلام أعطى للمرأة هذه الحقوق بشرط أساسي وهو أن يكون العمل " في إطار ضوابط الشرع اﻹسلامي وفي إطار مجموعة من اﻷشياء التي تحكم تصرف المرأة المسلمة وأولها الزي الذي ترتديه إضافة إلى طريقة حركاتها وتصرفاتها .. "


ب - الجوانب التي فرق فيها اﻹسلام بين الرجل والمرأة :


1 - مسألة القوامة : فالله جعل القوامة للرجل على المرأة لا العكس ، ومرد هذا التفضيل - لا كما يفهمه ضِعاف العقول من كونه قوامة بدنية وجسدية من رَكْلٍ ورَفْس ... - في نظري هو أن الرجل "بحكم تخلصه من اﻷمومة يواجه أمور المجتمع لفترة أطول ( ... ) فوق أن تكاليف اﻷمومة تنمي في المرأة جانب العواطف والانفعالات ( ... ) فوق أنه مكلف باﻹنفاق ، وللناحية المالية صلة بالقوامة . ولهذا فحق القوامة التي تميز بها الرجل على المرأة هو " حق مقابل تكليف ينتهي في حقيقته بالمساواة بين الحقوق والتكاليف في محيط الجنسين ومحيط الحياة " .


2 - مسألة الشهادة : أما لماذا جعل اﻹسلام شهادة رجل تعدل شهادة امرأتين ؟ فهذا يرجع إلى طبيعة الوظيفة التي أُنِيطت بالمرأة والمتمثلة أساساً في وظيفة اﻷمومة وما يتعلق بها من ملابسات ولهذا فالمسألة هنا مسألة ملابسات عملية في الحياة لا مسألة إيثار جنس بذاته على جنس آخر وعدم مساواة .


3 - مسألة تعدد الزوجات : فيما يخص هذه المسألة يمكن القول : " إن هذا النظام لم يُشَرَّع ليكون قاعدة ولكن ليصبح نافذة لحالات الاستثناء التي تتعرض لها المجتمعات ( ... ) ومتنفساً للحالات الفردية ، وهذا النظام تعتريه اﻷحكام الخمسة التي هي : الوجوب ، الحرمة ، الكراهة ، الندب واﻹباحة " .


4 - مسألة اﻹرث : فاﻹسلام جعل للذكر مثل حظ اﻷنثيين في مسألة المواريث - وهذه المسألة لا زال المتشبعون بالثقافات الغربية والحاقدون على تعاليم الشريعة اﻹسلامية يطالبون بالمساواة بين الجنسين في هذه المسألة - وياليتهم أدركوا واستوعبوا الحكمة من تفريق اﻹسلام بين الرجل والمرأة في مسألة اﻹرث .


فقد يتساءل البعض : لما ذا أُعْطِيت المرأة نصف نصيب الرجل ، مع أنها أضعف منه ، وأحوج للمال ؟


والجواب : - حسب علمائنا اﻷفاضل - أن الشريعة اﻹسلامية ، قد فرقت بينهما في اﻹرث ، لحكم كثيرة ذكروا منها :


● - أن المرأة مكفية المؤنة والحاجة ، فنفقتها واجبة على إبنها ، أو أبيها ، أو أخيها ، أو غيرهم من اﻷقارب .


● - المرأة لا تُكَلف باﻹنفاق على أحد ، بخلاف الرجل فإنه مكلف باﻹنفاق على اﻷهل واﻷقرباء ، وغيرهم ممن تجب عليه نفقته .


● - نفقات الرجل أكثر ، والتزاماته المالية أضخم ، فحاجته إلى المال أكبر من حاجة المرأة .


● - الرجل يدفع مهراً للزوجة ، ويُكَلّف بنفقة السكنى ، وبالمطعم ، والملبس ، للزوجة واﻷولاد .


● - أجور التعليم لﻷولاد ، وتكاليف العلاج والدواء للزوجة واﻷبناء ، يدفعها الرجل دون المرأة .


إلى آخر ما هنا لك من المصاريف والنفقات ، التي هي على كاهل الرجل ، والتي يُكَلّف بها بمقتضى الشريعة اﻹسلامية الغراء ، وبأمر الحكيم العليم ...


ومن هذه النظرة الخاطفة يتبين لنا - حسب علمائنا اﻷفاضل رضي الله على الجميع أحياء وأواتاً - حكمة الله الجليلة ، في التفريق بين نصيب ( الذكر واﻷنثى ) ، فكلما كانت النفقات على الشخص أكثر ، والالتزامات عليه أكبر وأضخم .. استخق - بمنطق العدل واﻹنصاف - أن يكون نصيبه أكثر وأوفر . !


وقصارى القول : يمكن الختام بالحديث عن " اﻷرضية التي ينبغي أن تتحرك عليها المرأة " والتي تتميز بميزتين اثنتين :


- الميزة اﻷولى : التحرر من التقاليد المنسوبة باطلاً إلى الدين اﻹسلامي والتي تحبس المرأة وتغلق دونها كل أبواب اﻹسهام في خدمة المجتمع اﻹسلامي عكس ما كانت عليه المرأة في عصر الرسالة .


- الميزة الثانية : أن يتحرر المسلم ( ... ) من ضغط تقاليد الهيمنة العالمية التي طُوِّقنا بها من طرف الغرب ومن طرف حلفائه وأنصاره وعملائه في المجتمعات العربية واﻹسلامية .


كما أنبه في ختام هذا المقال إلى " أن الدعوة إلى الانحلال اﻷخلاقي والاقتداء بالغرب في ذلك لم يؤد إلى إنجاز حقيقي على صعيد موقع المرأة من التغيير وحمايتها وتعزيز كرامتها ومكانتها في المجتمع .


ـــــــ


*عبدالحق بوعزة  : كاتب وشاعر  غماري .





نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://chourapress.com/news2878.html
نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : 0
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
أضف تعليقك
    تعليقات الزوار

    أكتب الرقم الذي تراه امامك :