خفايا أحداث 84 .. هل يعيد التاريخ "الدموي" نفسه ؟

     ظلت كل القراءات التاريخية لأحداث 1984 و التي انتشرت على صفحات وسائل الإعلام المكتوبة على الخصوص ، بعد سنوات من التأمل إلم نقل من الدهشة ، طلت سجينة السياقات التاريخية و الظرفيات السياسية و التحليلات الاقتصادية التي تجب عن سؤوال لم يطرح قط .
  لماذا انطلقت الأحداث من الشمال ؟
  
سؤال يكتسب قوته من مضمون القراءات التي أتت في مجملها بمعطيات عامة تخلو من الإحداثيات الجغرافية التي ترسمها الخصوصيات التاريخية و الاجتماعية و الثقافية لشمال و شمال شرق البلاد حيث أن سياسة التقويم الهيكلي طبقت بالمغرب بكامله بما جرت معها من غلاء في المعيشة و ضرب لمجانية الاستفادة من الخدمات و المرافق العمومية كالتعليم و الصحة ، كما أن التيارات اليسارية كانت نشطة على مستوى لم يستثني جهة أو منطقة .
   و ترجع الإرهاصات الأولى للانتفاضة إلى أواخر السنة الدراسية 82/1983 التي شهدت مظاهرات تلاميذية داخل المؤسسات التعليمية الثانوية بمدينة الحسيمة ، و خاصة بثانوية "أبو يعقوب الباديسي" التي شكلت نقطة إشعاع ثقافي بالمدينة .
   مظاهرات كان غلاء المعيشة هو السبب الرئيسي لانطلاقها ، فأعطى عامل إقليم الحسيمة أوامر للقوات المساعدة للتدخل و تفرقة المظاهرات بالهراوات ، ثم طالب مدير مؤسسة الباديسي بإعطائه لائحة المحرضين على الإضرابات ، فرفض بدعوى أن المحرض الرئيسي على الإضرابات هو العنف المستخدم ضد التلاميذ ، فغضب العامل مطالبا إياه بتقديم استقالته .
   كما أمر باعتقال مجموعة من "المحرضين" على الإضرابات أثناء فترة العطلة الصيفية فقرر تلاميذ المدرسة التضامن مع المعتقلين من خلال تنظيم اعتصامات و مظاهرات جديدة استغرق التخطيط لها مدة ثلاثة أشهر من الاجتماعات السرية بمنازل و اكواخ المدينة الجبلية .
   و انطلقت سلسلة من الاعتصامات كان آخرها يوم الجمعة 13 يناير 1984 حيث تلقت القوات المساعدة أوامر باقتحام المؤسسات لتفرقة و وضع حد للاعتصامات ، هرب التلاميذ من على الأسوار و النوافذ نحو شوارع المدينة في مظاهرات تلاميذية تحولت بسرعة كبرى إلى مظاهرات شعبية ضمت مختلف فئات المجتمع الذي كان يخلد ذكرى الظلم و القهر الخامسة و العشرين ، ذكرى "انتفاضة الريف الأولى "سنة 1959 ، و التي جرت عليهم سنوات من الإهمال و الإقصاء و التهميش أردفتها نحو 4 سنوات من الجفاف الخانق .
   بعد هذه الهجمة المخزنية توجه أربعة من تلاميذ ثانوية الباديسي نحو المدن و البلدات المجاورة كإمزورن و الناظور و تطوان ، حيث تم تعليق بيانات  بأبواب المدارس تطالب التلاميذ بمؤازرة إخوانهم بالحسيمة ، "فإخوانكم الطلبة في خطر " على حد تعبير البيان ، فلبت الجماهير الطلابية النداء بانطلاق مظاهرات بإمزورن يوم السبت الذي يصادف عادة تنظيم السوق الأسبوعي بالمدينة ن مما يشكل خطر انفجار الوضع بانضمام القبائل الوافدة إلى المظاهرات ، فأصدر وزير الداخلية آنذاك أمرا باستخدام الذخيرة الحية ضد المتظاهرين فاعترض القرار تدخل رئيس دائرة أجدير ، و هو أحد أبناء المنطقة وعيا بأنه من غير المعقول مواجهة مظاهرات تلاميذية سلمية بهذا الكم من العنف .
   بالموازاة مع ذلك كانت بلدة تماسينت بالقرب من إمزورن تشهد وقفة احتجاجية لعمال الإنعاش الوطني الذين تم التلاعب في ميزانية رواتب 100 فرد منهم ، فأرسلت إلى هناك مجموعة من أفراد القوات المساعدة دست بينها عناصر  مسلحة بالذخيرة الحية لتأجيج الوضع و وضع احتجاجات عمال الإنعاش في سياق الإضرابات و المظاهرات الطلابية و إخفاء حقيقة التلاعبات المالية الحاصلة .
   فأطلقت العناصر المسلحة النار على المحتجين الذين حاصروهم و احتجزوهم في حضيرة للماشية ، قبل أن يتدخل مرة أخرى رئيس دائرة أجدير لإطلاق سراحهم .. فاستفسر كل من عامل إقليم الناظور و وزارة الداخلية عما يقع بالضبط في المنطقة ن فرفعت تقارير رسمية مفادها أن أهالي الريف و خاصة بتاماسينت ، إمزورن و الحسيمة يتظاهرون ضد النظام ، يسقطون الملكية ، يحيون جمهورية الريف و يهتفون باسم محمد بن عبدالكريم الخطابي ، لتفتح بذلك أبواب ثكنة القوات المسلحة بالقنيطرة مطلقة العنان لجحافل عناصرها متوجهة نحو الريف المتمرد لقمع ثورة وهمية شعارها "عطيني ديالي ..، راه الخبز غالي".
   فاكتملت بذلك فصول مؤامرة حيكت ببداهة عالية  ، حققت ثلاثة أهداف أساسية:
  1 ــ التغطية على سوء التدبير في ملف المظاهرات التلاميذية الذي تحولت باستخدام العنف الهستيري إلى ثورة شعبية .
  2 ــ إخفاء التلاعبات المالية في ميزانية الإنعاش الوطني .
  3 ــ  تقديم فروض الولاء و الإخلاص لملك البلاد بقمع "مناوئيه".
    غير أن نزول القوات المسلحة إلى الشارع بالحسيمة لم يمكن النظام من تطويق الاضطرابات التي نقل التلاميذ الأربعة عدواها إلى المدن المجاورة كالناظور يوم الثلاثاء 17 يناير و تطوان يوم الأربعاء الموالي .





نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://chourapress.com/news2051.html
نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : 0
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
أضف تعليقك
    تعليقات الزوار

    أكتب الرقم الذي تراه امامك :